• الخَميس

    آب 2017

  • 17

الوعر المحاصر و اليوم الأخير

نشر في : أبريل 15, 2017 10:58 م

بقلم أحمد أبو النور

” اتفاقٌ يفُضي لإخراج ثوار الوعر من الحي إلى الشمال السوري عن طريق ثماني دفعات، بفترة شهرين ونيف “

بهذه الكلمات اختصروا كلّ تلكَ السنين في العمل والمثابرة والصبر والتحمّل والجهاد والجوع والابتكارات والأفراح والأتراح، اختصروا كل شيء بتلك الجملة المكتوبة بأيدي قذرة تتدعي السلام وهي من محاربيه، كيف أستطيع أن أهُجّر من ذلك الحي وقد ترعرعتُ فيه ونشأتُ على تضاريّسه وأزقته المصفوفة؟

كيف لي أن أنسى مساجد الحي الشامخة (العمريّ- فاطمة- العز ابن عبد السلام- الروضة..) وهي لطالما صدحت مآذنها بأسماء إخوانٍ لي صعدت أرواحهم إلى بارئها ؟

لمن سوف أشكي همومي و أفُرغ قلبي بعد ذهابي و أخواني في مقبرة الوعر قد كتموا سريّ و حفِظوه عندهم؟

كيف أنسى من ضحّى بنفسه و طهّر ترابك بدمائه في أبراج “السابعة” المتأكلة ؟

كم من الصناديد وقفوا متحديّن جبروت طاغيتهم و أسلحته الفتّاكة وهم لا يملكون سوى جدوة الإيمان بالله عز وجل تُدفئ بنادقهم.

وعركِ القديم و أزقته المتقاربة ومنازله الهشة كيف لي أن أنسى ما فعل سكانكِ ، وجعلهم من تلك البيوت قلاعاً يحتمي إليها الخائفون؟

شارع “الميتم ” يا سوقاً مكتظاً بزحمة المحُاصرين كنت الطريق الذي آلفه كل سكان الوعر، كنت بمثابة قناةٍ لنشرة الأخبار تُعرض فيها وتُسمع فيها ما يحلو لك بين الفينة والأخرى.

أما شارع “الفردوس” قد كنت فردوساً بأهلك وناسك الطيّبين ودكاكينهم المنمقة بمأكولات الحصار المبتكرة.

ودهشتي ببسالة قاطني شارع “الميّرسي” وما قدموه من إيثارٍ واضحٍ رغم وجود الخصاصة بينهم، هم أبطالٌ ترُفع بهم الهِمم والجباه عالياً كيف أنساها؟

كانت جُزركِ الثمان بمثابة أشواكٍ تُغرز في حلق النظام لما فيها من أملٍ وتفاؤلٍ تنضح به تلك الجزر.

كيف أنسى المشفى الميداني الوحيد في الحي وما قدم من تضحياتٍ وبطولاتٍ تشيب لها الولدان؟

لعلّه من الصعب أن أتناسى جسارة أبطال الدفاع المدني و كأنهم يذهبون إلى الموت لتوهب لهم الحياة، هم الشهداء الأحياء ، تعجزُ الأنامل عن إعطاء حقهم أو القليل من حقهم لما قدموه في ظل الحملات الفاشيّة المتكررة على ذلك الحي.

كيف أنسى وكيف أنسى؟ لن أنسى شيء..

الوعر كانت لي ولجميع القاطنين أكبر مدرسةٍ تُلّقن الدروس فيها دونما أموال، هنا تحُفر المعلومات حفراً في رأسكْ بكأس التجربة والمرارة والألم، هنا هموم الأطفال لا تحملها رجال خارج أسوار الحصار، لديهم القدرة على استيعاب الأمور وتقسيم المهام وتهوين الصعاب ..هنا الأطفال رجالٌ وأكثر من رجال.

أما النساء فهنّ والله الجنديّ المجهول في حصارنا، حملنّ من المهام فوق طاقتهنّ، شاركنّ أرباب البيوت في العمل إن لم يكنّ أرباب البيوت أنُفسهنّ، يجب أن يجدوا جائزةً تليق بنساء الحصار لأن جميع الجوائز والألقاب لا تأتي بحقهم، و الرجال المحاصرون أصبحوا معلمين وحكماء، تعلموا دروساً لم تستطيع سنينهم الماضيّة أن تُرسّخ حرفاً واحداً مما رسّخه الحصار.

الحصار صعبٌ ومتُعب .. لن تستطيع أن تتخيّل الحصار مهما بلغت من الذكاء والحذق، معادن الناس تنصقل في الحصار بشكلٍ يجعلك تتخلى عن أصدقاءٍ عرفتهم منذ سنين، وتجعلك تتعرف على إخوةٍ أنجبتهم تلك الثورة من رحِم الحصار ، كانوا معك في وقت الشدة من جوعٍ وخوفٍ ومعاناة ، كانوا معك دائماً وفي كل وقت .. هم روحاً واحدة تجزأت لعدة أجسام تتماشى على سطح البسيطة.

هنا أتقنّا كيف يجري قانون الحياة ، تجرعنا جميع أنواع الألم والمعاناة، هنا تعلمنا كل شيء، ربما لن نرى للوهلة الأولى أضخم مما وجدنا أنفسنا فيه .. مهما كانت مسارات رحِلتنا.

حمَل أهالي الوعر حمِلاً ثقيلاً وأمانةً ضخمة، كان على عاتقهم عاصمة الثورة كاملةً، تحمّلوا ما تحمّلوا ولكن ” لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها “.. ربما سمعوا نداءاتنا وأغمضوا أعينهم من أجل أجنداتهم وداعميّهم، وربما لم يستطيعوا أن يقدموا شيء من خارج الوعر أو من داخلها ، وأقول ربما “كحسن ظن”.. لكن الله جل جلاله يرانا ويسمعنا ويعلم حالنا وما عند الله إلا الخير، حاشاه أن يكون شراً.

هناك أخطاء و فساد و تجار دم أنهكوا إخوانهم ممن هم على ملتهم ، وهناك أنُاسٌ طيّبون تستعر النار في داخلهم ليقدموا شيء ولو مثقال ذرةٍ تخفف عن أهليهم وإخوانهم, لكن قدّر الله و ما شاء فعل.. لا مهرب من قدر الله ولو كنّا في بروجٍ مشيدة.

لا أريد التباكي والعويل والمزاودة ، لكنّني أكتب تلك الكلمات كي أحمل معي مصل العلاج لداء الأرق الذي سوف يصيبنا عندما نسدل رأسنا على الوسائد في مدن المهجر و نُغلق أعيننا كي نغفو و يبدأ العقل بالعمل وإصدار الضجيج .. هنا سوف أقرأ تلك الكلمات كي يندمل الجرح قليلاً وأستطيع النوم، أريد أن نسامح أنفسنا قبل الخروج ، لنبدأ بحياةٍ جديدة و صفحاتٍ فارغة، نرقمهّا بسواعدنا المتشققة وعقولنا المتفتحة و قلوبنا العِبقة، شكراً لكل أهالي حي الوعر على ما قدموه.

ملاحظة : وكالة ستيب نيوز لا تتبنى وجهة نظر كاتب المقال وليس من الضروري أن يعكس مضمون المقال التوجّه العام للوكالة

لا يوجد تعليقات