الشأن السوري

“حلمي شوفهن وهن يمشين” كلمات همستْ بها لتُسمع العالم الأصم

تُقاسي النساء في سوريا شتّى أنواع المعاناة والمآسي، ومما يزيد على كاهلهنّ إمّا استشهاد أزواجهن، أو اعتقالهم من قبل نظام الأسد، ليصبحنَ المعيلَ الوحيد للعائلة، ومن بين تلك النساء “أم محمد” التي تُعيل أربع طفلات معاقات منذ أن اعتقلت قوّات النظام زوجها قبل خمسة أعوام.

تنحدر “أم محمد” (30 عاماً) من منطقة “الحص” جنوب حلب، ولديها أربع إناث (فاطمة11 عاماً – رهف 9 – عزيزة 7 – هدى 4 أعوام)، وسردت لمراسل وكالة “ستيب الإخبارية” بريف حلب “ماجد العمري” أنّ رضيعتها بعد مرور حوالي أربعة أشهر على الإنجاب تُصاب بمرض يُفقدها تدريجيًا القدرة على الحركة والنطق والمحاكمة العقلية لكنّها تسمع وترى، عدا الطفل “محمد” الذي ولد سليمًا لكنّه توفي بعد عام من ولادته وهو “الثاني” الذي يتوفى لها، حيث لم يفتىء “أبو محمد” عرض مرض طفلاته على الأطباء والمشافي طيلة خمس سنوات سبقت اعتقاله؛ لكن دون جدوى، فقط أدوية مسكنة ومهدئة، وتراوح تشخيص الأطباء للمرض ما بين (الضمور العقلي، والشحنات الكهربائية، وماء في الرأس، وغياب تبني الدماغ للجسم، والشلل الدماغي).

مرّت خمس سنوات من البؤس والقهر والمعاناة، وهي تُكمل مسيرة زوجها في البحث عن علاج لطفلاتها الأربعة (متمسّكة ببصيص أمل) حيث تتكرّر المأساة كلّ يوم، و “أم محمد” لا تنام من الليل إلا قليلًا، وفي النهار لا تفتر على خدمة فلذات كبدها (…) تطعم وتسقي هذه وتلبس تلك وتهدهد لأخرى وتقدم لهنّ كلّ أشكال الرعاية التي تحتاجهن على مدار يومهم الذي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.

ليحلّ المطاف بها في ريف المهندسين الأول غربي حلب في منزلٍ يفتقد إلى كافة مقوّمات الحياة، وسط عجزها عن تأمين الدواء والرعاية الصحيّة لبناتها، في ظلّ بُعد أيّ نقطة طبيّة تلجأ إليها إذا اختلجت إحداهنّ، فبعضهنّ تتعرّض لمرّتين أو أكثر من نوبات الاختلاج، أو تسوء حالة بعضهن بشكل شبه يومي؛ كما أنّها باتت عاجزة تمامًا عن تأمين طعام، أو شراب، أو فوط صحية لهن، كذلك منعتها عزة نفسها أن تطلب يد العون من الآخرين، باستثناء عدسة كاميرا مراسلنا التي روت لها مأساتها الطويلة وآمالها البسيطة، وهي تقف عاجزة عن فعل أيّ شيء يُنهي أو يُخفّف من معاناة بناتها.

وجدت “أم محمد” في عدسة الكاميرا وهي تحسر طرفها لتخفي وتحبس عبرة في عينيها، تسكت تارة وتعاود البوح مرّة أخرى، وكأنّها تُريد أن يسمع العالم الكبير الذي يقبع خلف عدسة كاميرا صغيرة قصة بؤسها ولا تأمل إلا أمنية واحدة؛ قالتها بعد أن خنقت العبرة قلبها الصبور قبل عينيها: “حلمي أشوفهن واقفات على رجليهن وهنّ يمشين”، فهل ستستطيع عدسة صغيرة نقل معاناة كبيرة؛ لعالم ربّما يعجز عن إعادة البسمة لطفلات “أربعة” جلّ ما يأملهن “دواء” يُنهي مأساتهن؛ وتغلق “أم محمد” عينيها وتصمت لتنطق آخر كلمة لخصّت فيها معاناة الكثير من السوريات اللواتي أسهمت الحرب الضروس في زيادة معاناتهن وبؤسهن وعذابهن: “أنا إنسانة وواجب على الإنسانية تسمعني” ليسود الصمت بعدها كصمت الكاميرا التي ربّما لن تستطيع نقل معاناة “أم محمد” وكذلك الكثير من السوريات لعالم غدا كـ “بناتها المعاقات” يرى ويسمع لكنه عاجز كعجز بناتها عن فعل أيّ شيء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى