حورات خاصة

الخلافات الأمريكيّة حول قرار سحب القوَّات من سوريا وخفايا ترامب، بحوار لستيب

أثار قرار إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يوم 19 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، عن الانتصار على تنظيم الدولة “داعش”، وسحب القوات الأمريكية من سوريا، جدلًا واسعًا في الأواسط الأمريكيّة، ما حذا بوزير الدفاع “جيمس ماتيس”، ومبعوث التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في سوريا، “بريت ماكغورك”، للاستقالة من منصبهما.
وللوقوف على هذه التطوّرات التقت وكالة “ستيب الإخبارية” مع السيّد “صالح المبارك” عضو سابق بالمجلس الوطني السوري، وأستاذ جامعي سابق بكليَّة الهندسة المدنيَّة، وهو مقيم في أميركا منذ 1981، وكان الحوار التالي:

• ما هي رؤيتك حول أمر الاستقالات والتخبُّط بالإدارة الأمريكيَّة ؟

– هناك من يقول إنَّ أميركا ديمقراطيَّة، ومن يقول لا ديمقراطيَّة في أميركا، وأنَّ الرئيس الأميركي لا يملك سلطات ولا يُقرّر سياسات، وبالمقابل من يقول العكس، وكلا الأقوال فيها شيءٌ من الصحة وشيءٌ من الخطأ؛ لكن مما لا جدال فيه أنَّ انتخاب “دونالد ترامب” كان ظاهرة فريدة أقلقت وأزعجت قطاعًا كبيرًا من السياسيين الأميركيين بمن فيهم الجمهوريين الذين يُفترض بأن يمثّلهم ترامب نفسه، لأنَّه لم يأتِ من خلفيَّة سياسيَّة، فهو رجل أعمال لا يُلقي اعتبارًا لأيّ معايير أخلاقيّة، بل يضع الربح المادي نُصب عينيه، ويسعى لبلوغ هدفه مهما كلَّف ذلك من تجاوزات أخلاقيَّة وقانونيَّة طالما يستطيع التعامل معها، كما أنّه يُناقض مبادئ الحزب الجمهوري في كثير من الأمور خاصَّة الاجتماعيَّة، والتمدُّد العسكري.

•أين وصلت الخلافات حول قرار سحب القوَّات من سوريا، ومن يُقرِّر بالنهاية ؟

– قرار الانسحاب من سوريا سيمضي، إلا إذا حصلت معارضة في الكونغرس يقودها الجمهوريون، وهذا مستبعد جدًا، وبرأيي الانقسام قائم بين عقليتين، الأولى عقليَّة الرئيس الأمريكي المبنيَّة كليًّا على الجانب الاقتصادي، وهو دومًا يُردِّد أنَّ أميركا تحمل مسؤولية العالم بدون أن تدفع باقي الدول حصتها العادلة، ويُطالب دول الخليج وأوروبا واليابان وكوريا بدفع مبالغ أكبر، وهو الآن يقول للشعب الأميركي: “الحرب ضد داعش في سوريا مكلفة (ماليًّا وبشريًّا) وقد وكّلنا بها تركيا ووفرنا مواردنا؛ أمّا العقلية الثانية، فهي العسكريَّة التقليديَّة، والتي تقتضي انتشارًا عسكريًّا أميركيًّا حول العالم خاصة في النقاط الحساسة لتأكيد الهيمنة العسكريَّة الأميركيَّة، ويُمثّل وزير الدفاع المستقيل جيمس ماتيس (الملقب بالكلب المجنون) هذه العقليَّة.

•كيف ترى الردود الإسرائيليَّة على القرار الأميركي حيث اعتبرت المؤسستان العسكريَّة والاستخباريَّة أنّ ترامب “قد ألقى بإسرائيل تحت عجلات القطار الروسي” ؟

– شكوى إسرائيل سيتم التعامل معها، وتطمينها من خلال أقنية التواصل الخاصة بين أميركا وروسيا بشكل أساسي، وتركيا بشكل جانبي، وأعتقد أنَّ الأطراف الثلاثة (أميركا – روسيا – تركيا) لن تسمح لإيران بالتمدُّد من المناطق التي تنسحب منها أميركا وقسد، لكن أجهزة البروباغاندا الإيرانيَّة تُهلّل، وتُكبّر وكأنَّ الانسحاب الأميركي نصر لها، وهذا “كذب ودجل”، والنقطة المهمَّة أنَّ انسحاب الـ 2500 عنصر أميركي لا يعني أبدًا انسحاب أميركا من المعادلة في الشرق الأوسط أو سوريا، فهي باقيَّة بشكل أو بآخر، وإن اضطر الأمر فستعود عسكريًّا، ولو بضربات عبر الجوَّ أو البحر.

•شبكة “CNN” الأمريكيَّة ذكرت أنَّ ترامب قال لأردوغان: إنَّ “كلَّ شيء بات لك الآن في سوريا، ونحن انتهينا”، لماذا ترامب تخلّى عن سوريا وما المقابل ؟

-أعتقد أنَّ عبارة “كل شيء بات لك الآن في سوريا، ونحن انتهينا” فيها شيء من المجاملة، وربَّما رمي المسؤوليَّة، لكن الوقائع الماضيَّة تُخبرنا بأنَّ أميركا لن تخرج كليًّا من المنطقة، وإنّما ألقت مسؤوليَّة محاربة داعش على الأتراك، محرزةً بذلك فائدتين لها: وهما “مكسب دبلوماسي أمام الأتراك (أعطيناكم ما تريدون)، وتوفير مال وأرواح أميركيّة في تلك الحرب مع داعش”؛ لكن واشنطن ستبقى موجودة بأسطولها الذي يحمل طائرات وصواريخ، وهي قادرة على الوصول إلى أيِّ نقطةٍ مع بقاء مستشارين ودبلوماسيين في سوريا أو على تواصل مع الداخل السوري، وإذا تغيَّرت الظروف، فأميركا لن تستأذن أحدًا في العودة العسكريَّة إلى سوريا.

•هل ترامب غبي كما يصفه البعض، وما هو تركيزه الحالي ؟

– مُخطئ من يتهم ترامب بالغباء فهو ذكي ويعرف كيف يصل إلى هدفه، ولكي يصل إلى الرئاسة كان لا بدَّ له أن يتحالف مع اليمين المسيحي فاختار أحدهم (مايك بنس) ليكون نائبه، وهو أمر مضحك، فبنس يُعاكس ترامب في معظم آرائه؛ لكن مبدأ ترامب كان براغماتيًّا: إذا لم يكن هناك بدًّا من التحالف مع هؤلاء كي أصل إلى الرئاسة فليكن.
أمّا تركيزه الآن فهو على الناحيَّة الاقتصاديَّة، ورسالته للشعب الأميركي بشكل عام وللكونغرس بشكل خاص: “أليس الأهم هو توفير الرفاهيَّة للشعب أكثر من الاهتمام بالفضائح والمخالفات ؟ إذا أوصلتكم إلى الرفاهيَّة والوضع الاقتصادي المريح فماذا يهمُّكم إذا كان لي مخالفات أخلاقيَّة أو حتى قانونيَّة ؟”، وباعتقادي أنَّ أكبر همٍّ له حاليًّا هو التمدُّد الاقتصادي والتكنولوجي للصين فهي الخطر القادم بالنسبة لأميركا دون شك، وليست روسيا ولا إيران ولا داعش.

•هل مقولة الشرق العربي: “السياسات الأميركيَّة لا تتغير بتغيير الرئيس فهي ثابتة” صحيحة ؟

– هذه المقولة نصفها صحيح ونصفها خاطئ، فالمؤكد أنَّ أميركا ليست دولة ديكتاتوريَّة ولن تكون، هناك عوامل كثيرة تُؤثر في السياسات الداخليَّة والخارجيَّة، ومنها رؤية الرئيس وفريقه والتأثير الشعبي وتأثير الإعلام وموافقة الكونغرس، لكن العامل المهم الذي لا نتكلم عنه هو ما تُنتجه مراكز الأبحاث مثل “بروكينغز وراند”، وهذه المراكز تستقطب باحثين مرموقين منهم سياسيين وعسكريين بارزين متقاعدين ولديهم طواقم متفرغة للأبحاث، وتقوم بأبحاث مموَّلة من جهات عديدة، وهذه الأبحاث تُقدَّم للبيت الأبيض، ووزارة الخارجيَّة ووزارة الدفاع وغيرها، وتُشكِّل النواة السياسيَّة للقرارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق