حورات خاصةميداني

ستيب تحاور الباحثة الإسرائيلية “أليزابيث تسوركوف” عن العلاقة الإسرائيلية بالثورة السورية

تعتبر منطقة الشرق الأوسط واحدة من أسخن مناطق العالم، التي تتصارع عليها كل القوى العالمية، وليس هذا الصراع بحديث العهد، فـ لطالما كانت مركز انطلاقة أبرز أحداث التاريخ.

ولعل التغييرات التي طرأت على تلك المنطقة تباعًا، تُصنّف حسب المؤرخين بـ ما قبل خارطة “سايكس بيكو”، ومابعدها، التي أنشأت كيانًا جديدًا جمع فيها “اليهود” من أنحاء العالم تحت ذرائع ووصايا “دينية”.

ومنذ ذلك الوقت، بقيت “إسرائيل” بمثابة الطفل المدلل لقوى الاستعمار، بعد أن باتت قوة عسكرية واقتصادية لايستهان بها، نتيجة ماجمعت من رجال الأعمال “اليهود” الذي دعمو فكرة “أرض الله المختارة”.

وحول ذلك أصبح العرب بشكل أو بآخر، يصوّرون إسرائيل لشعوبهم بـ “الوحش” الذي سيفترسكم إذا اقتربتم منه، ومن رحم هذه الفكرة، تشكّلت الديكتاتوريات والأحزاب المستبدة التي وجدت بفكرة مقاومة إسرائيل، مشروعًا ناجحًا للاستيلاء على مشاعر الشعوب وثروات البلاد العربية.

وعقب أن أزهر الربيع العربي، كسرت الجماهير حاجز الصمت، وثارت على حكومات مستبدة قمعية جثمت على صدورهم لعشرات السنين، واستطاعت إسرائيل أن تجد لها موطئ قدم في تلك الحركات، وبالتخصيص كانت الثورة السورية الأبرز والأكثر جدلاً وتعقيدًا، فكيف كانت علاقة إسرائيل وسياستها فيها.؟

للوقوف على تفاصيل أوسع، أجرت وكالة ستيب الإخبارية حوارًا مع الباحثة الإسرائيلية “أليزابيث تسوركوف” باحثة في منتدى التفكير الإقليمي بمركز دراسات (اسرائيلي – فلسطيني)، حول الموقف الإسرائيلي من التمدد الشيعي، والسياسات الإسرائيلية في سوريا خصوصًا، والمنطقة العربية عمومًا، وعلاقاتها المباشرة بتجنيد مجموعات المعارضة السابقين ضدَّ التمدد الإيراني، بالإضافة إلى القوّة الإسرائيلية وتأثيرها في السياسات العالمية تجاه القضايا العربية.

 

كيف وقفت إسرائيل مع الثورة السورية، وهل ساندتها؟ أم أنها اكتفت بألا تكون طرف صراع إضافي فقط؟

لم تفضل إسرائيل انتصار أي من الأطراف في الصراع السوري، وهي مهتمة أولاً وقبل كل شيء، بالحفاظ على الاستقرار على طول حدودها الشمالية.

قدمت إسرائيل مساعدات إنسانية وعسكرية “محدودة” لفصائل المعارضة السورية في القنيطرة ودرعا الغربية، لكن هذه المساعدات كانت تهدف لخدمة مصالح إسرائيل: تحسين صورة إسرائيل بين السوريين والمجتمع الدولي ومنع وصول القوّات الإيرانية إلى السياج على طول الجولان.

بالإضافة إلى مكافحة داعش التي حافظت على وجودها على طول الحدود الأردنية والحدود مع الجولان المحتل، لم تقدم إسرائيل هذا الدعم للمساعدة في الإطاحة بالأسد، أو تشجيع المعارضة بالسير إلى دمشق.

ببساطة، لا يريد صانعو القرار الإسرائيليون أن تشارك إسرائيل بعمق في الحرب، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الصدمة الناجمة عن تورط إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية، عندما غزت إسرائيل لبنان في عام 1982 وحافظت على وجودها على طول الحدود مع إسرائيل حتى عام 2000 ولكن فشل في تحقيق أهدافه.

واقعيًا، كان غزو إسرائيل هو السبب الرئيسي لظهور حزب الله، الذي لا يزال يهدد أمن إسرائيل منذ إنشائه في عام 1982 من قبل فيلق الحرس الثوري الإيراني.

 

كيف تقرأين أسباب محاولة بعض رجال المعارضة التنسيق مع إسرائيل؟

أعتقد أنَّ البعض في المعارضة السورية كانوا مدفوعين برغبة حقيقية في مساعدة شعبهم، ورأوا إسرائيل كعنصر فاعل قادر على مساعدتهم، كما أنَّ آخرين تعاونوا مع إسرائيل وحاولوا التعاون معها لتحقيق فوائد مالية أو غيرها.

بصفتي باحثًة إسرائيليًة على اتصال بالسوريين في جميع أنحاء البلاد، تمَّ الاتصال بي شخصيًا من قبل سكان جنوب سوريا الذين طالبوا بالتعاون مع إسرائيل، وربما اعتقدوا أنني جزء من وكالات الاستخبارات الإسرائيلية.

وبالطبع رفضت مساعدتهم وأخبرتهم أنَّ إسرائيل مهتمة بتعزيز مصالحها الخاصة، وقد تخلت عن حلفائها مرارًا في الماضي، على سبيل المثال الأكراد في العراق عام 1975 والموارنة في لبنان.

أعتقد أنَّ الكثير من الجهود للوصول إلى إسرائيل، كانت تستند إلى التصور السائد بين العرب بأنَّ إسرائيل تتمتع بالقوة الكاملة تمكّنها من فرض رغباتها على المنطقة، وربما على العالم بأسره.

 

ماهي القوة الاسرائيلية اليوم، وماهو موقف اليمين الاسرائيلي عمومًا؟

في الواقع تأثير إسرائيل محدود، وعلى سبيل المثال أنها لم تكن راضية عن سياسات أوباما في سوريا أو بالاتفاق النووي مع إيران، لكنها فشلت في إقناع أوباما بتغيير أي من تلك السياسات، التأثير الإسرائيلي في موسكو محدود أكثر من نفوذها في واشنطن.

الحكومة الإسرائيلية قادرة على الاستفادة من هذا المفهوم الشائع بين العرب لاحتياجاتهم السياسية الداخلية، وهي التطبيع، ولأنَّ قادة المعارضة السورية يعتقدون أنَّ إسرائيل تتمتع بالقوة الكاملة، فإنهم على استعداد للمجيء إلى إسرائيل وزيارتها أو القيام بحركات أخرى تشير إلى الاعتراف بإسرائيل، وهو ما يسعد اليمين الإسرائيلي بقبوله.

إنَّ مثل هذه الزيارات والإيماءات التي يقوم بها العرب، تسمح لليمين الإسرائيلي بإخبار الجمهور الإسرائيلي أنه سيتمكن من تزويد الإسرائيليين بالأمن والسلام والاعتراف من جيراننا، دون إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية أو الجولان.

 

ما هي أهداف الميليشيات الشيعية؟

قال المسؤولون الإيرانيون علانية إنهم مهتمون بتكرار نموذج حزب الله في سوريا، أعتقد أنَّ إيران مهتمة بتأسيس وجود عسكري في جنوب سوريا، لتكون قادرة على ضرب إسرائيل عندما ترى ذلك مناسبًا، وتعزيز ردعها ضدّها، بحيث تفكر إسرائيل مرتين قبل مهاجمة أهداف مرتبطة بإيران.

أعتقد أيضًا أنَّ إيران ترغب في إنشاء قواعد صاروخية في سوريا، بحيث تكون “عقيدة الضحية” الإسرائيلية أقل فعالية في حرب مستقبلية.

ووفقًا لهذا المبدأ الذي تعهد صناع السياسة الإسرائيليون بتطبيقه في النزاعات المستقبلية، سترد إسرائيل على الصواريخ التي يطلقها حزب الله بتفجيرات ضخمة، تهدف إلى تدمير البنية التحتية والمناطق السكنية التي يعمل منها حزب الله.

التفكير هو أنَّ حزب الله يكون مسؤولاً، على الأقل إلى حد ما، عن المجتمع الشيعي اللبناني، الذي يعمل من أحيائه وبلداته، وبالتالي سيضغط المدنيون على حزب الله لوقف إطلاق النار أو على الأقل، بمجرد انتهاء الحرب، سخط السكان سوف يردع حزب الله عن شنِّ حرب أخرى ضد إسرائيل.

أشير إلى أنَّ هذه الاستراتيجية استخدمت في عام 2006 ومنحت إسرائيل حتى الآن 13 عامًا دون حرب أخرى في لبنان، إذا كانت إيران قادرة على بناء قواعد صاروخية في سوريا وإطلاق النار منها على إسرائيل، فإنَّ منطق “عقيدة الضاحية” لا يعمل بشكل جيد، فإيران لا تهتم بحياة المدنيين في سوريا، واستياء الجمهور السوري من الانتقام الإسرائيلي من المدن السورية لا تهم إيران.

وإذا كانت إيران تهتم بأرواح أو آراء المدنيين السوريين، فلن تتدخل في الحرب، إذا قامت إسرائيل بالانتقام من لبنان بسبب الصواريخ التي تطلقها من سوريا، فقد تواجه إدانة دولية أكبر وضغطًا لوقفها، لأنَّ هذا الانتقام قد يُنظر إليه على أنه غير عادل أو غير قانوني.

 

برأيك، هل إسرائيل متخوفة من المد الإيراني أم التمدد الشيعي عمومًا؟

يرى المسؤولون الإسرائيليون أنَّ إيران ووكلائها هم التهديد الرئيسي لأمنها في المنطقة، أكثر من أي قوة عسكرية تقليدية أو جماعة سنية راديكالية.

 

هل أحدثت سيطرة نظام الأسد على الجنوب تغييرًا جذريًا بسياسة إسرائيل مع النظام، أم أنها كانت على تنسيق مباشر قبيل الحملة العسكرية وتخلت عن المعارضة هناك لتعيد الاستقرار الأمني فيها؟

لا يوجد تنسيق مباشر مع النظام، على حد علمي، وليس هناك سبب لذلك لأنَّ روسيا تحافظ على علاقات جيدة مع ممثلي الطرفين وتنقل الرسائل بينهما.

فعليًا، تخلت إسرائيل عن المعارضة في يوليو 2018 بعد التوصل إلى تفاهم مع روسيا، وليس مع النظام مباشرة، و كان التغيير الوحيد الذي حدث في سياسة إسرائيل هو وقف تقديم الدعم الإنساني والعسكري والمالي للمدنيين السوريين وفصائل المعارضة ، لكن لم يحدث أي تغيير في السياسة المتعلقة بنظام الأسد، فلم تكن سياسة إسرائيل تجاه النظام معادية أبدًا، وقيادة إسرائيل ليست معارضة لحكم الأسد في سوريا، بل فقط لعلاقاته مع إيران.

في السنوات الأربع الأولى من الانتفاضة والحرب الأهلية في سوريا، كانت هناك خلافات داخل القيادة العسكرية والسياسية لإسرائيل حول تبني موقف واضح فيما يتعلق بالأسد، ولكن الضعف المتزايد للمعارضة السورية غير المتطرفة، ثمَّ التدخل الروسي جعل هؤلاء ينهون الجدال في هذا النقاش، واعتمدت إسرائيل بوضوح سياسة تهدف إلى حماية مصالحها الضيقة دون محاولة تشكيل نتائج الحرب.

 

إلى متى ستواصل إسرائيل ضرباتها الجوية على القواعد الإيرانية بسوريا؟

طالما استمرت إيران في محاولة إقامة وجود دائم في سوريا، فإنَّ إسرائيل ستواصل ضرب هذه القواعد، وستواصل أيضًا استهداف شحنات الأسلحة الحديثة مثل الصواريخ المضادة للسفن والصواريخ عالية الدقة، وقد يتغير هذا إذا كانت روسيا تعمل على تقييد قدرة إسرائيل على العمل في سوريا.

لكن في الوقت الحالي ، يبدو أنَّ روسيا وإسرائيل توصلتا إلى تفاهم واضح فيما يتعلق بحرية إسرائيل في قصف الأهداف الإيرانية (وليس النظام) في سوريا.

 

كيف تنظر الحكومة الاسرائيلية حاليا للقاعدة الإيرانية المتواجدة في اللاذقية، وهل تتوقعين تنفيذ ضربات جويّة قد تستهدف القاعدة، علما أنها غير محاذية لحدود إسرائيل كما فلعت مؤخرًا في حلب؟

لقد استهدفت إسرائيل بشكل متكرر قواعد بعيدة عن حدودها، بما في ذلك في تدمر ودير الزور وحلب، كما ذكرت.

لا أعرف ما هو هدفها في قاعدة اللاذقية، على اعتبار وجود قوّات روسية هناك أو في قواعد أخرى، وذلك يعيق الرغبة الإسرائيلية في استهدافها، إذا افترضنا أصلاً أنَّ هناك وجودًا إيرانيًا بالفعل.

 

هل برأيك هناك تنسيق بين إسرائيل والأردن حول العلاقة مع النظام السوري والتقارب منه؟

تحافظ إسرائيل على تعاون وثيق مع الأردن فيما يتعلق بسوريا ومسائل أخرى، وأعتقد أنَّ روسيا هي قناة اتصال أكثر فائدة للتواصل مع النظام، لأنه يحافظ على اتصال يومي وثيق مع كل من إسرائيل ونظام الأسد.

 

تسعى روسيا والأردن لتشكيل فصائل عاملة ضمن تشكيلات النظام تعتمد على مقاتلي المعارضة السابقين، بهدف الوقوف بوجه التمدد الإيراني بالجنوب، هل تنسّق إسرائيل معهم أيضا أم أنَّ الأمر لا يهمها؟

لا تزال إسرائيل مهتمة جدًا بجنوب سوريا، لا سيما بسبب جهود التطويع المستمرة لحزب الله هناك، ويدعم المسؤولون الإسرائيليون عمومًا الجهود الروسية لتقليص الوجود والنفوذ الإيرانيين.

وقد طالبت إسرائيل بإزالة القوّات الإيرانية من جنوب سوريا مقابل السماح للنظام بالاستيلاء على جنوب سوريا في منتصف عام 2018.

لذلك، أنا متأكدة من أنَّ إسرائيل ترحب بالجهود الروسية والأردنية، لكنني لا أعرف ما إذا كانت إسرائيل متورطة فيها.

 

استعادت إسرائيل رفات “بوميل” من سوريا، وتسعى لاستعادة رفات “ايدي كوهين” عن طريق روسيا وبدون أي مقابل يذكر، هل هذا كان قربان لقبول إسرائيل ببقاء الأسد بالسلطة؟

بدأت جهود إعادة جثث الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا سابقًا بجهود روسيا وليس النظام، ولا يحتاج النظام السوري إلى تقديم أي شيء لإسرائيل مقابل قبولها بقائه في السلطة.

فإسرائيل لم تطالب أبدًا الأسد بالتنحي، وقبلت منذ فترة طويلة أنه سيبقى في السلطة، إلى جانب بقية المجتمع الدولي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق