سلايد رئيسيمقال رأي

ما بين العمالة والتجسس

المهندس سامر كعكرلي

كثيراً ما ترددت قبل كتابة هذه الأسطر، لأنني أعلم مسبقاً الكمَّ الهائل من التخوين وربما الشتائم التي ستنهال عليّ بسببها، ولكن ما دفعني على الكتابة هي رسالة خاصة استلمتها من أحدهم يتهكم بها على شخص أعرف وطنيته ويقول في رسالته حرفياً: (حين يحاضر عملاء إسرائيل في الشرف).

فكرت كثيراً بكلمة “عميل” وبحثت عن أصلها اللغوي، فوجدت أن معناها كلفظ هو من يعامل غيره في شأن من الشؤون، كما ورد في قاموس المعاني الجامع، وفي اللغة الإنكليزية فكلمة عميل “Client” وترجمة هذه الكلمة هي حرفياً زبون.

أي بمعنى آخر لا يوجد بالإنكليزية لمعنى مرادف لكلمة العميل كما نستخدمها نحن الشعوب العربية، ويؤكد ذلك أنه عند محاكمة المارشال “فيليب بيتان” رئيس حكومة فيشي الفرنسية التي تعاونت مع ألمانيا النازية إبان الاحتلال الألماني لفرنسا فإن المحاكمة تمت تحت جرم الخيانة العظمى، وهذا العنوان ليس لأنه تعامل مع الألمان بل لأنه رفض الخروج من المناطق التي احتلتها ألمانيا والذهاب إلى المناطق التي تقع خارج سيطرة ألمانيا لمواصلة المقاومة ضد الألمان كونه عسكري بالدرجة الأولى.

ولا بد هنا من الإشارة أن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” قد أثار جدلاً واسعاً عندما أشاد بالماريشال “بيتان”، واصفاً إياه بأنه “الجندي العظيم”، وكان ذلك في 7 تشرين الثاني / نوفمبر من عام 2018، خلال احتفال تنظمه فرنسا لمناسبة توقيع هدنة “كومبين” التي تؤرّخ لنهاية الحرب العالمية الأولى وانتصار فرنسا وحلفاؤها على ألمانيا، بل أكثر من ذلك فإن كافة المحاكمات التي جرت في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية بحق ألاف الفرنسيين كانت التهم الموجهة لهم نقل أخبار المقاومة الفرنسية للمحتل الألماني، أي بمعنى أخر التجسس لصالح المحتل وليس التعامل معه.

ومما تقدم يتبين لنا الفارق الشاسع بين وصف العميل وهو الشخص الذي يتعامل مع دولة ما من فوق الطاولة وعلى المكشوف وربما بدافع وطني مفاده بأن مصلحة الوطن تتطلب في مرحلة من المراحل التواصل مع بعض الدول وحتى لو كانت تلك الدول بحالة عداء مع الوطن، (طبعاً مع الحفاظ على الثوابت الوطنية التي تُجمع عليها الشعوب وليس الأنظمة)، ووصف الجاسوس وهو الشخص الذي يهدف إلى الإضرار بالوطن بتسريب الأخبار الهامة والسرية عن هذا الوطن، وكنتيجة طبيعية لفارق المفهومين فإنه أيضاً من الطبيعي أن يكون التعامل معهما مختلفا فالجاسوس يحاكم ويدان بحكم قد يصل للإعدام في حال الخيانة العظمى، أما العميل فيجب محاورته وتفنيد حجته وبرهانه بالحجة والبرهان وفي حال كان مخطأً في رؤيته فإنه بطبيعة الحال سيسقط شعبياً.

ولكن يبقى السؤال مشروعاً من أين أتت تلك النظرة الدونية للعميل لدى مجتمعاتنا العربية لدرجة تحوله لجاسوس؟

إني أرى بأن هذا الأمر هو من إنتاج الاستبداد الذي افتتح عهده بشكل رسمي في منطقتنا العربية جمال عبد الناصر، فهذا العسكري الذي سطا على السلطة بانقلاب عام 1952 عمل بكل جد على كتم أي صوت معارض لسلطته المطلقة، ولأنه لا يستطيع اتهامهم بالتجسس لأن ذلك يحتاج لأدلة وبراهين، توسع بمفهوم العمالة، لدرجة بأنه وفي معظم خطاباته التي كان يتقن إلقائها بشكل جيد يكثر من استعمال كلمة عميل فتراه يصف معارضيه تارةً بعملاء الأمريكان وتارةً بعملاء الصهاينة وأخرى بعملاء الانكليز، وفي مرحلة من المراحل توسع الأمر لديه ليصفهم بعملاء السعودية وعملاء الأردن، ومن الناحية الإقتصادية لم يبخل عبد الناصر بهذا الوصف لمعارضيه فتراه كثيراً ما يستخدم عملاء الرأسمالية وعملاء الإقطاع حتى ترسخ في ذهن الجماهير التي كانت تعشق عبد الناصر لدرجة العبادة وكأن كلامه مقدسا بأن العميل مرادف للجاسوس، وبذلك يكون التاجر المصري في ذاك الوقت في حال تعامل مع البورصة الإنكليزية مثلاً أصبح بالمفهوم الناصري جاسوسا للرأسمالية.

تلقف هذه الفكرة عسكر سورية الذين أيضاً سطو على الحكم بانقلاب الثامن من آذار من عام 1963، وأصبحوا يلقون تهم العمالة لكل صوت عارض حكم العسكر، وتميز عسكر انقلاب آذار بسورية بأنهم كانوا أشرس في التعامل مع من يتهم بتلك التهمة ولذلك امتلأت السجون بأصوات حرة معارضة لحكم العسكر.

ويمكن القول أيضاً بأن سلطات الاستبداد نجحت بترسيخ مفهوم العمالة بشكل مرادف لمفهوم الخيانة والتجسس، وما نراه اليوم في خطاب ما يسمى محور المقاومة والممانعة الذي هو الوريث الشرعي لأنظمة الاستبداد يطلق لمن يعارض هذا المحور وبالتالي يعارض الاستبداد مستنداً للجرائم التي يرتكبها هذا المحور سواء في سورية أو اليمن أو العراق مصطلح العمالة فكل من يتوق للتخلص من استبداد تلك الأنظمة هو عميل للأمريكان والصهاينة والآن لآل سعود، هذا الاستخدام السيئ لهذا المصطلح طبيعي  بالنسبة لمدعي المقاومة والممانعة لأن ذلك يعتبر سلاح إعلامي بأيديهم للتغطية عن الجرائم التي يرتكبونها في سورية من ناحية ومن ناحية أخرى لأنهم كما أسلفنا الوريث الشرعي للاستبداد، ولكن من غير الطبيعي أن ينتقل هذا المرض لصفوف من وقفوا مع ثورة الشعب السوري ضد الاستبداد، فترى هؤلاء يستخدمون نفس الوصف لكل من يحاول أن يجد مخرجاً لما تمر به سورية، بل أكثر من ذلك فإنهم يمنعون على السوريين لدرجة تصل للتخوين أي نوع من التعبير عن الرضى لبعض عمليات القصف التي يتعرض لها من أمعن في قتلهم.

والمضحك والمبكي أن يتوحد بذلك تياران يعتبران أعداء تاريخيين وأقصد هنا بعض من التيار الديمقراطي وتيار الإخوان المسلمين، وإذا فهمنا موقف الإخوان المسلمين من خلال مسيرة هذه الجماعة خلال الثورة السورية والتي لا يمكن وصفها سوى بعدم الرغبة بنجاح الثورة السورية، إلا بعد تمكنهم من السيطرة على سورية المستقبل من ناحية، ومن ناحية أخرى التمازج والترابط والانصهار الكبير بين موقف الإخوان المسلمين وملالي طهران تحت حجة أنه حكم إسلامي أقرب لفكر الإخوان من الفكر اليساري، ولكن لا يمكن تفسير موقف البعض من التيار الديمقراطي من الاستخدام السيئ لمصطلح العميل  سوى أنه تأثر لحد كبير بمفرزات الاستبداد نتيجة ترسيخه في عقول وضمير شعبنا من خلال استخدامه المتكرر.

خلاصة القول بأن ما تعرض له الشعب السوري من مجازر وقتل لما يقارب التسع سنوات من قبل نظام مجرم وبدعم غير محدود من إيران وروسيا، وهذا الكم الهائل من الشهداء الذي قدمه الشعب السوري، والذي لم يسبق لسورية بكل حربها  تقديمه، أصبح يحق لأي شخص سوري في التفكير بأي طريقة لخلاص شعبه من تلك المآسي وبطبيعة الحال وجوب ترافق ذلك مع الثوابت الوطنية التي يجمع عليها الشعب السوري وأولها وحدة سورية بحدودها الدولية المعترف في المجتمع الدولي، دون أن يخشى من اتهامات تم تشكيلها وقولبتها من قبل نظام مستبد وضعها خصيصاً لحماية كرسي حكمه، ويرددها من يريد استبدال استبداد باستبداد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق