مقال رأي

الصراع الصامت بين واشنطن وموسكو على القامشلي

بقلم: علي تمي - كاتب إعلامي وسياسي

نشأة الصراع

بدأ الصراع السوفييتي الأمريكي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ( 1947-1991) بعد ان قادا معاً حلفا عسكريا للاطاحة ب أدولف هتلر الذي كان يطمح بقيادة البشرية جمعاء، وبعد انتهاء الحرب بدأت كل دولة منهما تحضر نفسها لمواجهة سياسية وأيديولوجية وعسكرية محتملة وغير مباشرة، وعرفت بالحرب الباردة، هذا مصطلح استخدم لأول مرة من قِبَل الكاتب الإنجليزي جورج أورويل في عام 1945م وأشار فيه إلى المأزق النووي الذي يمكن أن تتسبب به دولتين أو ثلاث دول تمتلك كل منها سلاحا نوويا قادرا على إبادة الملايين من الناس في بضع ثوان فقط، كما أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهاء الحرب (حلف الناتو) في عام 1949، وضمت إليه تركيا البلد الحدودي مع الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى نشر صواريخ جوبيتر في إيطاليا وتركيا في عام 1961، هذه الصواريخ بالستية مجهزة برؤوس نووية موجهة نحو موسكو.

كما قامت بنشر صواريخ جوبيتر في بريطانيا في عام 1958 تحضيراً لكسر شوكة جوزيف ستالين الذي كان يطمح هو الآخر للسيطرة على العالم من خلال الحزب الشيوعى الذي كان يقوده.

وبعدها انقسم العالم إلى معسكرين هما شيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي وليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن القول إنّ مصطلح الحرب الباردة يعني صراعاً لا يعلن فيه أحد الطرفين المتحاربين الحرب على الطرف المقابل بشكل رسمي، واستخدم كل طرف منهما ضد الآخر وسائل الإعلام والفن، والوسائل السرية كالعملاء السريين والجواسيس. وخلال هذه المرحلة بدأ الاتحاد السوفييتي باختبار القنبلة الذرية الأولى، وكانت الشرارة الأولى لبدء سباق التسلح النووي بين الطرفين، وفي عام 1953م أصبحت القوتان تختبران القنابل الهيدروجينية، وتتنافسان في عمليتي البحث والإنتاج .

الصراع على كوبا

هذه الدولة التي تقع في قارة أمريكا اللاتينية والتي تعتبرها واشنطن الحديقة الخلفية لها وضمن مجال أمنها القومي.

بدأت الأزمة الكوبية بعد نشر الاتحاد السوفييتي صواريخ بالستية مجهزة برؤوس نووية في هذه القارة وذلك في عام (1962) التي تعتبرها واشنطن خط أحمر لمن يمد يده عليها، واستمرت حقبة الحرب الباردة حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.

بروز دور روسيا على الساحة الدولية

انشغلت روسيا التي تشكل خليفة الاتحاد السوفيتي بحروب داخلية، وعانت الكثير من الأزمات الداخلية والاقتصادية والويلات وإنشغالها بحرب الشيشان في (1994) وقاد الجيش الأحمر مواجهات عسكرية مباشرة وغير مباشرة في (أوكرانيا، روسيا البيضاء، جنوب القوقاز، آسيا الوسطى، الشيشان، توفا ومنغوليا) دعماً للحركات المؤيدة لموسكو فكل ذلك كان على حساب استنزاف قوتها الاقتصادية والعسكرية أمام الناتو، وصولاً إلى انتخاب رجل الاستخبارات (فلاديمير بوتين) الذي يتمتع بقدرات خارقة، وانتخب في عام (2000) رئيساً لروسيا الإتحادية الذي أعاد لروسيا دورها المحوري وقوتها في رسم الخارطة السياسية والعسكرية في العالم.

الصراع على سوريا

مع بدء الثورة السورية في 2011 دخلت واشنطن على الخط لدعم فصائل المعارضة السورية التي تشكلت في 2012 ليس محبةً بهم إنما انتقاماً للنظام الذي كان يدرب ويرسل المتطرفين إلى العراق لاستهداف الجيش الأمريكي بعد غزو العراق في 2003

موسكو بدورها كانت تراقب الوضع ما بعد 2011 في سوريا عن كثب، فلم تحرك ساكناً حتى وصلت المعارضة إلى ساحة العباسيين في دمشق في 2013 كي يرضخ النظام ويتنازل عن كل ما يطلبه (بوتين) الذي يرى أن الحرب في سوريا تشكل تهديداً مباشراً لروسيا، ويمكن أن ترتد إلى الأراضي الروسية فيما بعد. هنا تختلف الحسابات الروسية عن مثيلاتها الأمريكية في تقييمها لخطر “داعش” وأخواتها في سوريا.

و مع انطلاق داعش في سوريا (2013) أدرك الروس بأن هدف “داعش” البعيد سيكون استهداف موسكو كون لديها تجربة مريرة مع هذه الحركات (الشيشان وأفغانستان) فاضطرت للتدخل تحت عنوان حماية النظام (الشرعي) في سوريا ومع تراجع المعارضة انتقل الصراع إلى شرق الفرات في 2017 ، ومن هنا تبدأ الحكاية.

الصراع على القامشلي

مع انشغال الروس وحشد قواتهم بمواجهات ومعارك الاستنزاف مع فصائل المعارضة السورية في (درعا وحلب وريف دمشق) استغل واشنطن هذه المرحلة بتشكيل جيش قوامه (70) ألف مقاتل ومدرب بأحدث الأسلحة تحت اسم (قوات سوريا الديمقراطية) وتحت عنوان محاربة “داعش” للسيطرة على المناطق التي يحتلها هذا التنظيم في سوريا، فانتهت حقبة داعش الدموي في 2019 في ريف ديرالزور وتزامن ذلك مع استعاد موسكو لكثير من المناطق وأوراق تفاوضية من المعارضة السورية في (حلب ودرعا وريف دمشق وجزء من ادلب)، وانحصر الصراع بينهما في الوقت الحاضر على القامشلي.

تحشد موسكو في الآونة الأخيرة بدعم من الميليشيات الإيرانية قواتها إلى مطار القامشلي وتستفز الدوريات الأمريكية في الحسكة والقامشلي لإجبارهم على المغادرة ولإحراج وإثارة الرأي العام الأمريكي ضد ترامب الذي وعد الأمريكيين بعدم إرسال الجنود إلى الخارج بعد انتخابه للرئاسة في 2017 .

تحاول واشنطن ومن خلال مندوبها في سوريا وليام روباك إيجاد وتشكيل إدارة سياسية تشاركية موسعة في شرق الفرات بالتوافق مع حليفتها تركيا، وهنا أدركت موسكو بأن الخطر مازال قائماً على منطقة نفوذها تاريخياً (سوريا) وتحديداً في شرق الفرات فأرسلت في الآونة الأخيرة المئات من الجنود والعربات العسكرية إلى القامشلي لقطع الطريق أمام تشكيل أي إدارة سياسية – مدنية في هذه المنطقة لإعادة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم، وهنا لا بد أن أذكر أن أنقرة وواشنطن تتوافقتان على دعم واشنطن لأنقرة في إدلب مقابل دعم الأخيرة لها في تشكيل إدارة موسعة توافقية بقيادة المجلس الوطني الكوردي في شرق الفرات مع استبعاد عناصر (العمال الكوردستاني) من سوريا.

وبتصوري، موسكو لن تبقى مكتوفة الأيدي حول المشروع الأمريكي- التركي في شرق الفرات وستدفع بالميليشيات الإيرانية إلى مواجهة مفتوحة مع قوات سوريا الديمقراطية كما فعلتها في بقية المناطق السورية ضد فصائل المعارضة السورية.

الخلاصة أننا أمام مواجهات (روسية – أمريكية) محتملة في شرق الفرات، وبالتالي بروز صراع جديد على قيادة قوات سوريا الديموقراطية هو العنوان البارز في هذه الفترة، ومن المرجح أن تشهد هذة القوات المقسمة بين تيار (إيراني – روسي – أمريكي) بمعنى أن جميع الاحتمالات واردة، وبالتالي المواجهات على القامشلي قاب قوسين أو أدنى ولمن ستكون ترجيح كفة القوة والميزان؟ هذا السؤال سيجيب عنه عامل الوقت فقط.

اقرأ أيضاً : ما حقيقة وجود نظرية “المؤامرة” في سرعة انتشار فيروس كورونا على وجه الأرض؟

ملاحظة : وكالة ستيب نيوز لا تتبنى وجهة نظر كاتب المقال وليس من الضروري أن يعكس مضمون المقال التوجّه العام للوكالة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق