مقال رأي

بين مطرقة “ثلاثي الشر” وسندان تركيا.. واشنطن تضيع البوصلة في المنطقة

ضياع البوصلة

منذ دخول واشنطن على خط الصراع السوري عام 2014، تبنت مشروعاً غامضاً، ولم تحمل في جعبتها ما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

ولا شكّ أنها ساهمت بشكلٍّ كبيرٍ جداً في القضاء على أخطر تنظيم إرهابي عرفته البشرية؛ التنظيم الذي ارتكب الفظائع بحق المدنيين في العراق وسوريا.

ولكن السؤال هنا، هل هذا يكفي؟بالطبع لا، من المفترض أن يلتحق بذلك مشروع سياسي يحقق العدالة والتنمية في المنطقة، ويدفع بالمهجرين والنازحين للعودة إلى بيوتهم وقراهم التي تمّ تحريرها من “داعش” المعروفة اليوم بــ (شرق الفرات) وبقية المناطق.

ولهذا السبب يقيم الناس سياسة واشنطن في سوريا بفقدان البوصلة والتخبط، فتارةً يعلن الرئيس، ترامب، عن سحب قوّاته من سوريا وتارةً أخرى يعلن عن الاحتفاظ بقواته في المنطقة، ما دفع بالعديد من الكُتّاب إلى وصف ما حدث من تخلي أمريكا عن الكُرد في سوريا وتفاهم روسيا مع الأتراك بأنه “مهرجان خيانة”.

مؤكدين أن “أوراق اللعبة” والكرة التي كانت بحوزة، ترامب، قد سلمت إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دون مقابل؛ وذلك في مؤتمر صحفي عقد بينهما في 2018.

واشنطن وثلاثي الشر في المنطقة

أكثر دولة خدمت “ثلاثي الشر” في المنطقة هي واشنطن. نعم واشنطن ففي عام 2017، تفاجأ أهالي كركوك بتعرض المدينة لهجوم متوحش من قبل الحشد الشعبي المدعوم إيرانياً.

وعلى إثرها انسحبت قوّات البيشمركة من مواقعها، التي كانت تتخذها مقرات لها في كركوك، فظهر بعضهم وهو يبكي ويتهم واشنطن بـ”الخيانة”، لأنها غضت النظر عن الهجوم المتوحش، وتبادلت الأدوار مع “ثنائي الشر” في العراق المتمثلان بــ (الحشد الشعبي والاتحاد الوطني)، اللذان يشربان من النبع ذاته.

وبالتالي تتحمل واشنطن المسؤولية الأخلاقية والسياسية بتسليم هذه المدينة إلى أحد أطراف الشر في العراق لتضع نفسها في قفص الاتهام، ولعنة التاريخ ستلاحقها أينما ذهبت بعد أن خلطت الأوراق في المنطقة لتضعها في حالة (الفوضى الخلاقة)، وتحرص فقط على إدارة الصراعات بدلاً من حلها.

تكرار اللعبة في سوريا

بعد إعلان القضاء على تنظيم “داعش” عام 2017، لم تبادر واشنطن إلى إيجاد حالة سياسية شاملة لتساهم في إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك وأدارت ظهرها لشعوب المنطقة.

فاختيار الشركاء في العراق وسوريا لم يكن موفقاً، فقد رجحت شراكة طرف على الآخر، والأطراف السلمية المدنية التي لها مشاريع سياسية تدفع الثمن، لأنها لا تحقق أجندات واشنطن على الأرض، فاعتمدت على مجموعات معينة ومحددة وخلقت حالة من التوتر والقلق.

في حين بادرت ولو شكلياً بمثابة ذَرّ الرماد في العيون، لتضليل الناس من خلال الإعلان عن المفاوضات الكُردية – الكُردية خلال العام الجاري، مع اتباع سياسة التماطل وعدم الجدية في إيجاد صيغة جامعة لجمع المكونات في شرق الفرات على طاولة مشتركة وتحت خيمة واحدة، حيث ترك ذلك الكثير من إشارات الاستفهام.

أما فيما يتعلق بعلاقتها مع تركيا فهي تحاول إرضاءها بشتى الوسائل. تارةً تقدم المناطق داخل سوريا كهدايا لها وعلى حساب مصالح شعوب المنطقة وتارةً أخرى تدعمها في ليبيا وسوريا لمواجهة الروس وللاستفادة من موقعها الجيوسياسي وكحليف استراتيجي لها.

الخلاصة: يبدو أن واشنطن في اعتمادها على شراكة (ثلاثي الشر) لتمرير أجنداتها في المنطقة لم تكن موفقة، فهذه التنظيمات بدءاً من ( العمال الكردستاني مرواً بالحشد الشعبي وانتهاءاً بالاتحاد الوطني الكردستاني) لها امتدادات وجذور إقليمية ودولية متنوعة.

وتعتبر من العمالقة في فنون المراوغة والتكتيك الذي لا يمكن اللعب به “وتوليفه” بسهولة، ولا يمكن التحكم به من طرف معين أو دولة واحدة حتى لو كانت قوتها بقوة (الولايات المتحدة الأمريكية).

ومحاولة واشنطن، الفصل بين “قسد” والعمال الكردستاني كفصل (الرأس عن الجسد) ودليل ضعف قراءتها للواقع الميداني والسياسي في المنطقة.

كذلك الأمر بالنسبة لحشد الشعبي والاتحاد الوطني في العراق وعلاقتهما بإيران تمتدان لعهود وتجاذبات معقدة ومتشابكة ولا يمكن التفريق فيما بينهم، وواشنطن تستخدمهم لصالح إيران للمحافظة على توازن جيوسياسي في سوريا والعراق تدفع فاتورة تخبُّطها، شعوب المنطقة .

والسؤال الذي بات يطرح نفسه بقوة، هل الحوارات الكردية – الكردية في سوريا تحتاج إلى كل هذه المدة حتى يتم الإعلان عن الاتفاق الشامل والحاسم أم أن واشنطن تماطل وتحاول اللعب على عامل الوقت ريثما تنتهي فترة تواجدها العسكري في سوريا إلى قرب الانتخابات الرئاسية لتجعلها ورقة رابحة في المعادلة، وفيما بعد ستسلم المفاتيح كاملة إلى الدب الروسي؟

وهل نسيَ الشعب الكردي اتفاق 1975، الذي كان عقلها المدبر (كيسنجر)، وبيع كركوك في 2017 تمّ بتوقيع بريت ماكغورك.

وبنفس الوقت، علينا أن لا ننكر بأن السفير جيفري، يقوم بدور ريادي في المنطقة من خلال التواصل مباشرة مع النخب السياسية والاجتماعية في سوريا، ومطلوب من الرئيس ترامب دعمه لأنه يحاول نقل صورة جيدة عن الولايات المتحدة ودعم مشاريع الديمقراطية وتحقيق الاستقرار في سوريا تحت سقف القرار الدولي 2254.

الكاتب علي تمي

اقرأ أيضاً : قبل الاتفاق الكُردي- الكُردي المرتقب.. ما المطلوب من المعارضة السورية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق