مقال رأي

كيف تدير الميليشيات الولائية مواردها الاقتصادية في العراق؟ وهل ينجح الكاظمي بترويضها أم هي من ستنجح بترويضه؟

تعتبر الميليشيات الولائية العاملة في العراق، أحد أهم اللاعبين في الساحة العراقية، على الصعيد العسكري والسياسي، بل وأصبحت لاعبًا اقتصاديًا مهما في الفترة الأخيرة بعد انتهاء المعارك مع تنظيم الدولة (داعش).

والفصائل الولائية، هي مليشيات مسلحة شيعية تدين بالولاء للولي الفقيه الإيراني “علي خامنئي” وتأتمر بأوامره. وتنتمي رسميًا لهيئة الحشد الشعبي العراقية، وبذلك فهي تستلم من الدولة الرواتب والتجهيزات العسكرية، لكنها فعليًا لا تخضع لأوامر المؤسسات الأمنية العراقية.

 

وبسبب أهمية هذه الفصائل للنظام الإيراني، كأداة من أدواته للتحكم بالمشهد العراقي، كان النظام الإيراني يتبنى هذه المليشيات بالمسؤولية والتمويل، حيث كانت تقوم إيران ومن خلال مكتب قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، بتخصيص مبالغ شهرية غير ثابتة لكل فصيل، تُعرف باسم “دعم مجاهدي العراق”، كما أن هناك معونات تصل بين الحين والآخر لقيادة هيئة الحشد الشعبي من قبل رجال دين وتجار في دول عربية بينها خليجية، هذا ما أكده القيادي بمليشيا النجباء، حسين الغرباوي، لافتاً إلى أنّ تلك المساعدات ليست دائمة لكنها محط تقدير من قبلنا لأن هناك ما بات يفهم أنها معركة مصير”. لكن بعد تشديد العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، أصبح من الصعب تمويل وتجهيز كل تلك الفصائل، وبات لزامًا عليها إيجاد تمويلًا ذاتيًا تتمكن من خلاله التغلب على صعوباتها المالية. وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أهم مصادر التمويل الحالية لتلك المليشيات وكيفية إدارتها.

 

تتلقى الميليشيات الولائية دعما متعدد الموارد، منه ما هو مُعلن، كما هو الحال بالدعم الذي تتلقاه من هيئة الحشد الشعبي، على شكل رواتب شهرية لعناصرها التي تنتسب “فضائيا” للحشد، بالإضافة إلى التسليح والتجهيزات اللوجستية، وتوفير المقرات. لكن هناك دعمًا آخر غير مُعلن، يتم تحصيله من أبواب أخرى غير رسمية، أبرزها ما يتم تأمينه من خلال استحواذها على الابار النفطية والمصافي النفطية وبيع النفط ومشتقاته داخل العراق وخارجه، وأحيانًا تساوم الأخرين على ولائهم مقابل هذا النفط، كما أن لهذه الفصائل الولائية مصادر أخرى تتمثل بسيطرتها على بعض المنافذ الحدودية وجباية الجمارك على البضائع الداخلة، مع فرض الرسوم على المسافرين، عوضًا عن سيطرتها على بعض عقارات الدولة، بالإضافة إلى فرضها للإتاوات على المقاولين في المحافظات السنية.

 

 

ما هي حقول النفط التي تسيطر عليها الميليشيات الولائية؟

تسيطر الميليشيات الولائية على عدد من الآبار والمصافي النفطية، تستخدمها في تمويل نفسها، بطرقة مشابه لما كان يفعله تنظيم الدولة (داعش) نذكر أهمها:

 

  1. آبار منطقة الفرحاتية وعددها 4 أبار من الحجم الصغير، وتسيطر عليها ميليشيا عصائب أهل الحق (جماعة قيس الخزعلي)، يتم سحب 400 صهريج من تلك الآبار شهريًا، سعة الصهريج الواحد هي 36000 لتر.
  2. حقل “نجمة” في محافظة الموصل، يقع تحت سيطرة “كتائب الامام علي”، وتقوم بسحب ما يقارب 600 صهريج شهريا كحد أدنى.
  3. حقول غرب الموصل، وتسيطر عليها ميليشيا بدر، وتقوم بسحب 400 صهريج من النفط الخام شهريًا.
  4. حقول عجيل وعلاس الوقعة في محافظة صلاح الدين، يسيطر عليها لواء ٨٨ بقيادة انس الجبارة الجبوري، والذي أغلبه من أهالي المنطقة لكن ارتباطه بقوات مليشيا بدر، وهذه المليشيا المستفيدة بشكل مباشر من ورادات تلك الحقول النفطية، ثم سرايا الخراساني. وتقوم تلك المليشيات بسحب مالا يقل عن 800 صهريج لكل شهر.
  5. حقول نفطية بالقرب من منطقة مريم بيك التابعة لمحافظة كركوك، وتسيطر عليها ميليشيا عصائب أهل الحق وميليشيا بدر، اللتان تقومان بسحب ما لا يقل عن 400 صهريج شهريا من النفط الخام وإرسالها الى إيران، ثم إعادتها وبيعها في السوق المحلية.
  6. مصفى القيارة: يقع هذا المصفى تحت سيطرة “كتائب الامام علي”، وكانت هذه المليشيا، تستفيد من بيع ما لا يقل عن 25 صهيرج من المشتقات النفطية بمختلف أنواعها وبأسعار مخفضة لأصحاب محطات الوقود الأهلية، وأصحاب مولدات الكهرباء التي تجهز الأحياء السكنية، بالإضافة إلى معامل تصنيع الطابوق ومعامل تصنيع “الجص”. لكن حاليًا، انخفضت هذه الكمية بسبب كثرة الشكاوى من المصفى وزيادة الرقابة الحكومية، واقتصرت حاليا على اخذ الإتاوات من الجهات التي تتعاقد مع المصفى.
  7. مصفى بيجي، وتسيطر عليه ميليشيا “عصائب أهل الحق” حيث كانت تقوم بسحب ما لا يقل عن 100 صهريج شهريًا من المشتقات النفطية، ويتم بيعها داخل العراق بشكل مباشر، لكن حاليًا انخفضت تلك الكمية وأقتصرت على ابتزاز المقاولين داخل المصفى فقط.
  8. مصفى الصينية، ويقع هذا المصفى تحت سيطرة ميليشيا “بدر” حيث كانت تقوم بسحب ما لا يقل عن 150 صهريج شهريا من المشتقات النفطية، يتم بيعها مباشرة في السوق المحلية، ولازال معدل السحب اليومي يتراوح بين 5 إلى 6 صهاريج بالإضافة إلى الإتاوات من المقاولين.
  9. السيطرة على خط النفط المار بمنطقة “السكرية” غرب ناحية الصينية في محافظة صلاح الدين من قبل ميليشيا بدر، وهو أنبوب ينقل المشتقات النفطية، حيث تقوم هذه الميليشيا بسحب ما لا يقل عن 200 صهريج شهريا من هذا الأنبوب وبيعها في السوق المحلية مباشرة.
  • الانبوب النفطي الرابط بين كركوك ومصفى بيجي، يقوم بنقل مشتقات نفطية، تسيطر عليه ميليشيا عصائب أهل الحق في مناطق غرب الحويجة، وتسحب منه ما لا يقل عن 100 صهريج شهريا.
  • خط النفط الإستراتيجي غرب بيجي، ويقع تحت سيطرة ميليشيا “عصائب أهل الحق” تقوم بسحب ما لا يقل عن 300 صهريج شهريا كنفط خام، يتم تهريبه الى إيران ثم إدخاله إلى العراق.

 

طرق تهريب النفط الخام

 

ولهذه المليشيات طرق عديدة لتهريب النفط المسروق، في غالبها تلعب إيران دور المنسق لهذه العمليات، حيث أنهم بعد أن يتموا سحب النفط الخام من الابار او الحقول النفطية، يقومون بنقله بواسطة صهاريج تابعة للفصائل الولائية، تتجمع هذه الصهاريج على شكل مجاميع ما بين (20-50) صهريج في كل مجموعة في مناطق وسطية، ونقطة تجمع الصهاريج هو الطريق الترابي الرابط بين منطقة “العَلَم” و”العظيم” كون تلك المنطقتين اسهل لعملية التهريب، ثم ينقل النفط بعد ذلك إلى كركوك ثم السليمانية. ثم تتحرك بعد ذلك الى المنافذ الحدودية مع إيران عن طريق السليمانية، ويتم اصدار أوراق تصدير لها في إيران واعادتها الى العراق على أساس إنه منتوج إيراني لغرض تامين الغطاء القانوني للمستهلك العراقي. وتعتبر التسهيلات اللوجستية الإيرانية هذه، مفصلا حيويا لإنجاح عملية التمويل الذاتي للفصائل الولائية، حيث تكسب تلك الفصائل كأرباح صافية لكل صهريج ما يصل إلى 4000 دولار.

 

يُذكر أن هذه الفصائل، قد وقعت عقدًا شكليًا مع سياسي كردي معروف له سيطرة كبيرة على السليمانية وما جاورها، بقيمته مليون دولار شهريا لغرض تأمين حماية شكلية للصهاريج وايصالها الى الحدود الإيرانية ومن ثم إعادتها، لكن حقيقة العقد، هو لغرض القيام بدور المنسق مع الحكومة المحلية لمحافظة السليمانية، لتأمين التسهيلات اللازمة لمرور صهاريج النفط وعودتها دون التعرض لها، وتعتبر هذه الطريقة هي المعتمدة لتهريب النفط في المحافظات الوسطى والشمالية الخاص بتمويل الفصائل الولائية.

 

الطرق الأخرى غير النفطية لتمويل الفصائل الولائية

ولهذه المليشيات طرق أخرى لتمويل نفسها، بمعزل عن سرقة النفط وبيعه، تتمثل في الاستحواذ على عقارات الدولة العامة في محافظة صلاح الدين ونينوى. بالإضافة إلى الإتاوات التي يفرضونها على المقاولين في المحافظات السنية بمعدل يقارب إلى 4% إلى 5% عن كل مقاولة. كما تسيطر هذه المليشيات على المنافذ الحدودية للعراق مع دول الجوار، مثل منفذ ربيعة، والنقاط غير الرسمية الواصلة بين محافظة الموصل وسوريا، بالإضافة إلى سيطرتها على منفذ القائم بين العراق وسوريا بشكل كامل، وفرضها الرسوم على المواد والمسافرين. يضاف إلى ذلك، فأن الاحزاب السياسية الشيعية المرتبطة بهذه المليشيات، تقوم بتمويلها من إيرادات الدولة.

 

كما وجدت هذه المليشيات طرق تمويل أخرى بحسب مصدر في وكالة الاستخبارات والتحقيقات العراقية، حيث ذكر هذا المصدر، إن المليشيات الولائية غالبًا ما تقوم بتوفير الحماية للملاهي الليلية ودور قمار ومحال بيع المشروبات الكحولية في بغداد مقابل المال. ويشير المصدر إلى أن هجمات مسلحة تقوم بها تلك المليشيات، تستهدف فيها المحال التي لا تدفع الإتاوات الشهرية لها، وهذا ما يفسر انتشار المخدرات والنوادي الليلية في العراق في الفترة الأخيرة، خاصة بالمناطق التي يزيد فيها نفوذ الميليشيات الولائية الموالية لإيران.

 

النشاط الأخر الذي تستخدمه المليشيات في تمويل نفسها، هو تجارة المخدرات، حيث تنشط المليشيات في تهريب المخدرات على الحدود العراقية السورية، وهي منطقة خاضعة لهيمنتها بشكل مطلق، حيث تقوم مليشيا “الابدال” بالتعاون مع مليشيا “حزب الله العراقي” المسيطرة على المنفذ العسكري في البو كمال ومليشيا عصائب الحق، باستخدام مهربين محليين لتهريب المخدرات من لبنان إلى الحدود العراقية السورية، مقابل حصولهم على نسبة من المخدرات لتسويقها محليا، وكانت المليشيات في السباق، تستغل مهمتها في حماية مواكب الحجاج الإيرانيين إلى المزارات في سوريا لتهريب المخدرات، ولكن بسبب جائحة كورونا، تم إيقاف مواكب الحجاج وبالتالي لم يعد في إمكان الميليشيات تهريب المخدرات إلا عن طريق المهربين المحليين. أما عن الوجهة النهائية لهذه المخدرات القادمة من لبنان، فهي الكويت عن طريق جنوب العراق، والسعودية عن طريق “النخيب” على الحدود العراقية السعودية.

 

ما هو دور الحكومة؟

 

تحاول الحكومة الحالية بقيادة مصطفى الكاظمي السيطرة على تلك الفصائل الولائية من خلال تحجيم وارداتها غير الشرعية وإبقائها فقط على التمويل الحكومي، وذلك من خلال تشديد الرقابة.

 

والملاحظ أن مصادر التمويل في أغلبيتها، تُمارس في المحافظات ذات الأغلبية السنية، وهي محاولة إضافية من قبل تلك المليشيات لزيادة الفقر في تلك المناطق ومنع أهلها من استخدام ثرواتهم بشكل يعود عليهم بالنفع، كما أن هذا السبب يفسر لنا السر في تمسك هذه المليشيات بالتواجد في تلك المحافظات ورفض الدعوات لها بالخروج منها.

 

ويتبين للمراقب، أن هذه الفصائل أصبحت قادرة على الاستمرار بنشاطاتها وتجهيز نفسها والتوسع ذاتيًا حتى دون مساعدة الدولة في ذلك، حيث تكسب تلك المليشيات من تهريب وبيع النفط الخام ما يقارب 11,600 مليون دولار يوميًا، كما تكسب من تهريب وبيع المشتقات النفطية ما يقارب 2 مليون دولار يوميًا، وهذا أمر خطير، أما أرباحها من حماية دور الدعارة وأماكن القمار بالإضافة إلى تجارة المخدرات، فهو ما لم يتم حصره حتى الأن.

لكن بالمقابل، فإن هذا النوع من التمويل والذي يشابه ما كان يفعله تنظيم الدولة حينما سيطر على العديد من أبار النفط في العراق وسوريا، هو تمويل محفوف بالمخاطر بالنسبة للمليشيات، فمن ناحية يمكن للحكومة وبسهولة إيقاف هذه الاعمال غير الشرعية لو توفرت لها الإرادة في ذلك، والذي من شأنه تجفيف منابع التمويل التي تعتمد عليها المليشيات. ومن جهة أخرى، سيكون دافعًا لإشعال الخلافات بين قادة تلك المليشيات، مما يجعل أمر تفكيكها سهلًا على الحكومة. لكن قيام الحكومة بذلك، سيُعجل اندلاع مشاحنات داخلية بين قادة تلك المليشيات وبين السلطات الشرعية التابعة للدولة العراقية.

 

ولأجل ذلك، تقوم حكومة الكاظمي اليوم، بجملة من الإجراءات تهدف من خلالها محاولة السيطرة على هذه الفصائل الولائية وكذلك السيطرة على كامل مؤسسة الحشد الشعبي، من خلال إجراءات تقود إلى تلك النتيجة حسب تقديرات الحكومة، كاستمرار الدعم الحكومي للحشد الذي تبتغي منه ربط تلك المليشيات بمؤسسة الدولة وتجفيف مصادرها الأخرى، لكن تبقى المليشيات حسب التقديرات، عصيَّة على الترويض من قبل الكاظمي، لا سيما وأن الكاظمي لا يمتلك كتلة سياسية داعمة له، ولا يتبين أن هناك دعمًا أمريكيًا واضحًا له، وهذا كله من شأنه أن يجعل الأمور تنقلب بالعكس، ويكون الكاظمي هو من يتم ترويضه من قبل تلك المليشيات.

 

 

كيف تدير الميليشيات الولائية مواردها الاقتصادية في العراق؟ وهل ينجح الكاظمي بترويضها أم هي من ستنجح بترويضه؟
كيف تدير الميليشيات الولائية مواردها الاقتصادية في العراق؟ وهل ينجح الكاظمي بترويضها أم هي من ستنجح بترويضه؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق