تحقيقات ستيب

ليس زنا إنما.. تحقيق صحفي يكشف البند الغامض في زواج التجربة والهدف الخفي الرئيسي منه

في منتصف شهر يناير/كانون الثاني الفائت، ضجّت وسائل الإعلام بخبرٍ مفاده أن محامٍ مصري يُدعى، أحمد مهران، اقترح فكرة حملت عنوان “زواج التجربة المؤقت”، استلهمها من زوجين كانا على أبواب الطلاق.

تباينت الآراء حول الفكرة بين رافضٍ وراضٍ نوعاً ما عنها، الأسئلة كانت كثيرة وصلت أجوبتها إلى الأغلبية بشكلٍّ متقطعٍ، دفعت الجهات الشرعية الرسمية في مصر إلى التحرك واتخاذ قرار فوري بـ”رفض الفكرة”، في حين بقي صاحبها مُدافعاً عنها، ناعتاً الرافضين للفكرة بأنهم “عبيد”.

ما هي فكرة هذا الزواج و منبتها، ما الحكم الشرعي والموقف القانوني منها، الهدف الخفي من إطلاقها والبند الغامض الذي أثار الجدل وهل يُعتبر زناً!! في هذا التحقيق الصحفي المستند على أدّلة وتصاريح متعددة، بالإضافة إلى استبيان رأي دام أكثر من أسبوع استهدف الآلاف من المصريين، نقف على أبرز الأجوبة وموقف المجتمع منها.

تحقيق صحفي يكشف البند الغامض في زواج التجربة والهدف الخفي الرئيسي منه
تحقيق صحفي يكشف البند الغامض في زواج التجربة والهدف الخفي الرئيسي منه

¶ ما هي فكرة زواج التجربة المؤقت؟

تقوم فكرة “زواج التجربة” على الزواج لفترة محددة بين الزوجين، وتحديد بنود رئيسية في حياتهما خلال هذه المدّة، تضمن حقوق كلّ منهما.

يقول الدكتور المحامي أحمد مهران (صاحب الفكرة)، إنَّ العقد لا يعدّ عقداً للزواج، كما أنه يتوافق شكلاً وموضوعاً في كلّ ما جاء ببيان الأزهر الشريف بخصوص عقد الزواج، ويوضح العقد في بنده التمهيدي بأنه ليس بعقد للزواج الشرعي الرسمي على كتاب اللّه وسنة رسوله المكتمل للشروط والأركان المؤبدة وغير محدد المدّة.

¶ منبت الفكرة وسبب طرحها

بحسب مهران، لجأت إحدى الزوجات بعد 3 سنوات على زواجها إليه من أجل رفع دعوى طلب الطلاق من زوجها، لكنه بدلاً من أن يتخذ الإجراءات القانونية اللازمة في هذه الحالة اتصل بالزوج وعرض عليه حلّ الخلاف عبر إبرام عقد اتفاق يقضي بمشاركة الزواج وفق مدّة زمنيّة محددة على ألا تقل عن 3 سنوات.

عقد زواج التجربة
صورة متداولة لعقد زواج التجربة المؤقت في مصر

وأوضح أنه اقترح على الزوجين تدوين مطالبهما في عقد حمل عنوانه “عقد اتفاق على مشاركة الزواج”، ووصفه بالأنسب لهذه المرحلة التي تتزايد فيها حالات الطلاق، وفق تصريحات متلّفزة له في وقتٍ سابق من الأسبوع الفائت.

¶ الحكم الشرعي

في تصريحٍ لوكالة “ستيب الإخبارية”، قال الدكتور حاتم عبدالعظيم، مختص في علوم الشريعة الإسلامية ونائب سابق في مجلس الشعب المصري عن حزب الحرية والعدالة: “لا يجوز شرعاً أن يُوصف الزواج بأنه زواج تجربة، أيّاً كان المضمون أو التفاصيل التي ستوضع تحت هذا العنوان، لأن معنى زواج التجربة أنه زواج ناقص الجدية، أي ليس زواجاً كاملاً وناقص الاستقرار والاستمرار؛ والزواج في الإسلام لا يقبل هذه المعاني على الإطلاق”.

وأضاف: “الزواج في الإسلام علاقة مستقرة مستمرة جادة إلى أبعد الحدود؛ جادة لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم «وأخذنا منكم ميثاقاً غليظاً»، فجعل عقد الزواج عقداً مشدداً شديد القدوسية، شديد الأهمية في الشريعة”.

¶ الهدف الخفي من إطلاق فكرة زواج التجربة

بحسب الدكتور حاتم عبدالعظيم، ليس الهدف مضمون العقد لأنه “ليس هناك شيء جديد في مضمونه أو شيء يستحق الاهتمام به، العبرة في تقديرها هو تمرير مصطلح زواج التجربة، فإذا استقر المصطلح وتقبله الناس، تبدأ بعد ذلك الانحرافات الخطيرة في التفاصيل والشروط”.

وأضاف: “الهدف الكبير من وراء ذلك هو أن نخرج من المرجعية الشرعية في عقد الزواج إلى مرجعيات أخرى ونتحرر من مفهوم الزواج الشرعي بأحكامه الثابتة الراسخة إلى مفهوم الزواج المدني، الذي يجريه المحامون في مكاتبهم ويخضع لاعتبارات الاتفاق بين الطرفين وليس لثوابت الشريعة؛ فإذا اتفق الأزواج في المراحل الأولى لإطلاق المشروع على أشياء قريبة من الوضع الشرعي فإنه بعد ذلك سيتيح زواج التجربة ويتفق على ما يخالف الشريعة الإسلامية، وبالتالي تخضع عقود الزواج له وعقود المعاملات المالية من اعتبار التراضي أساساً لعقد الزواج وليس فقط الثوابت الشرعية”.

¶ الموقف القانوني

من ناحيتها قالت المستشارة القانونية، دينا المقدم، إنّ “العقد يعتد به من الناحية القانونية، إلا أنه يخالف العقد الشرعي للزواج ويخالف الناحية الدينية سواء في الإسلام أو المسيحية”.

وأكّدت أن الترويج لهذه المبادرة “يمكن أن يدفع بعض الشباب إلى القيام بمثل هذه التجارب، كما أنه يمكن تحديد المدد حسب أهوائهم، الأمر الذي يخرج الزواج من جوهره إلى ما يشبه زواج المتعة أو المسيار، وهو مخالف للهدف الأسمى من الزواج وهو بناء أسرة مستقرة”، وفق ما نقلته عنها وسائل إعلام مصريّة.

¶ بند غامض في العقد

صاحب فكرة العقد، يقول إنَّ العقد “اتفاق مشاركة الزواج، مجرد عقد مدني ملحق بوثيقة الزواج، وليس له علاقة بوثيقة الزواج، فقط يكمل الشروط بين الزوجين التي اتفقا عليها حتى يحافظا على البيت ولا يختلفا و يتطلقا؛ فالزواج نفسه غير مؤقت لكن العقد المدني مؤقت لمدّة 3 سنوات أو أكثر”.

في تصريحه لـ”ستيب”، أكّد الدكتور حاتم عبدالعظيم، أنَّ العقد الذي اقترح فيه “بند شديد الغموض والخطر والخطأ، وهو البند المتعلق بمدّة العقد، حيث يكتب فيه خمس أو ثلاث سنوات. أتساءل ما المقصود بأن مدّة العقد خمس سنوات ويكتب في مقدمة العقد أن هذا عقد مطابق للشريعة الإسلامية لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، ويكتب في الصدارة أنه عقد مؤبد وفي الشروط والتفاصيل يكتب أنه عقد مؤقت بثلاث سنوات. أرى أنه يُراد من هذا الكلام تمرير مصطلح زواج التجربة ليكون مدخلاً لزواج المتعة وإضفاء اسم جديد عليه”.

¶ ما حكم الأزهر في ذلك؟

ما أن بدأت الفكرة تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصدر الأزهر -جهة رسمية- بياناً اعتبر فيه أن “اشتراط عدم وقوع انفصال بين زوجين لمدّة خمس سنوات أو أقل أو أكثر فيما يُسمى بزواج التجربة، اشتراط فاسد لا عبرة به، واشتراط انتهاء عقد الزواج بانتهاء مدّة معينة يجعل العقد باطلاً ومحرماً”.

¶ هل يُعتبر زناً؟

لم يتوقف التعليق على فكرة زواج التجربة على أنه مقبول شرعاً أو مرفوض فقط، بل ذهب الكثيرون إلى اعتباره “زناً ويتسبب في كوارث أخلاقية”.

يقول الدكتور حاتم عبدالعظيم: “في الحقيقة حتى العقود الفاسدة في الشريعة لا تسمى زنا، إنما يسمى العقد الفاسد فاسداً والباطل باطلاً والزنا ليس فيه عقد أصلاً”.

وأكّد خلال حديثه: “وهذا ليس زنا، ويُسمى عقد زواج باطلاً وفاسداً بحسب ما دخله من خلل، وأرى أن التأكيد في عقد الزواج باطل ويجب أن تزال كلّ هذه الشروط والتفاصيل منه الزواج وأن يبقى على صورته الشريعة”.

¶ ما علاقة كثرة الطلاق بفكرة العقد المؤقت؟

بدأت فكرة العقد أساساً عندما طلبت زوجة الانفصال عن زوجها بعد مرور ثلاث سنوات على زواجهما بحسب صاحب الفكرة، ولينقذ الموقف ويحاول التقليل من نسبة الطلاق التي باتت تزداد في مصر ابتكر هذه الفكرة.

لكن الأزهر رأى في بيانه أن كثرة وقوع الطلاق في سنين الزواج الأولى “لا يعالج بالانفصال، وتحريم الطلاق؛ وإنما يواجه بالوعي والمعرفة وتنمية المهارات لدى الشباب والفتيات من المقبلين على الزواج؛ ليعرفوا قدره ومعناه وحدود الله فيه وواجباته ومسؤولياته وأحكامه، وكيفية اختيار شريك الحياة، والتعامل الأمثل معه، ومع النفس، وحدود تدخل الأهل في الحياة الزوجية، وكيفية تجاوز عقبات الحياة ومشكلاتها، وكيفية تحقيق السعادة فيها”.

ووفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء -جهة رسمية- وقعت في مصر 225 ألف حالة طلاق عام 2019 مقابل 201 ألف حالة في 2018، بمعدل حالة طلاق واحدة كل دقيقتين و20 ثانية، في حين بلغت عقود الزواج في عام 2019 نحو 927 ألف عقد زواج مقابل 870 ألفا في 2018.

تقول الناشطة الإعلامية المصرية، جهاد حداد، لوكالة “ستيب” إنَّ: “من من أهمِّ دعائم نجاح هذه المنظومة هو قيام عقد الزواج بين الرجل والمرأة على نيَّة الدَّيمومة والاستمرار وليس التجربة، وقد كفل الإسلام لكلا طرفي هذا العقد الحُرَّين البالغين العاقلين الرَّشيدين حق إنهاء الزوجية في أي وقت استحالت فيه العِشرة بينهما، دفعًا لضرر مُحقَّقٍ لا يُحتَمل مِثلُه عادةً وجَعَل حَلّ هذا العقد بيد الزوج عن طريق الطَّلاق، أو الزوجة عن طريق الخُلع”.

¶ عدد الذين وقعوا على العقد المؤقت

بحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية عن صاحب الفكرة، فإن “221 شخصاً وقعوا على هذا العقد في إطار الصلح”.

¶ امتهان ومنقصة للمرأة!

أثارت الفكرة جدلاً واسعاً في مصر، ركّز الأغلبية القصوى منهم على المرأة من هذا العقد، حيث اعتبره الغالبية “منقصة لها واستهانة بكرامتها”.

جهاد حداد، تؤكّد أن لهذه الفكرة “امتهان للمرأة، وعدم صونٍ لكرامتها وكرامة أهلها، وهذه الصورة عامل من عوامل هدم القيم والأخلاق في المجتمع المصري”.

¶ استبيان رأي لـ10 آلاف شخص
89% ضد و11% مع الفكرة
ما سبب رفض وقبول هؤلاء؟

 

https://www.youtube.com/post/UgxcvcVWxxRYjA_SBQh4AaABCQ

في استبيان أجرته وكالة “ستيب الإخبارية”، استهدف مصر لمدّة 10 أيّام لمعرفة آراء المجتمع المصري حول هذه الفكرة، تبيّن أن من أصل أكثر من 10 آلاف شخص 89% منهم ضد الفكرة في حين أن 11% منهم مع الفكرة.

زواج التجربة

في تعليقه على الاستبيان، قال صاحب قناة “دونالد ري” إنَّ المرأة ليست لعبة، مُتسائلاً كيف ترضى على نفسها وهي مجرد تجربة فقط لا أكثر”.

IMG ٢٠٢١٠٢٠٣ ١٥٥٣١٩

بينما يقول صاحب قناة “OSAMA THABT”، مُدافعاً عن مضمون العقد: “يا جماعة افهموا الأول العقد بيكون بين اثنين متجوزين أصلاً ووصل بهم الأمر إلى الطلاق، والعقد يتيح لهم فرصة إعادة النظر في الطلاق بتجربة المعيشة بشروط يتفقون ويمضون عليها”.

IMG ٢٠٢١٠٢٠٣ ١٥٥٢٥٣

وفي نظرة إلى آراء المجتمع المصري والنشطاء المصريين عبر “تويتر”، اتضح كذلك أن عدد لا بأس به من المصريين مع الفكرة بشكل مبدئي وهو ما يشكل نقطة وقوف، مقارنةً مع رفض النسبة الأكبر لها.

يقول صاحب حساب “فكري مسعود”، عبر صفحته: ” ‏الزواج صحيح وشرعي. قال البخاري عن الرسول أينما رجل وامرأة توافقا فعشره ما بينهما ثلاث ليالي فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا، فالرسول أباح التجربة قبل الزواج بثلاث ليالي، وهذا الزواج أفضل بكثير مما أباحه الرسول”.

IMG ٢٠٢١٠٢٠٣ ١٥٥٤١٣

ودعت صاحبة حساب “ليساس” إلى ضرورة مواكبة معايير الزواج للوقت والعصر: “‏‎بالعكس يجب أن تتغير معايير الزوج بما يناسب الوقت والعصر والتي تمر به الأسر، بما أنه لا توجد حقوق تحمي المرأة والطفل. ولاتوجد المعونة المالية والاجتماعية! يجب أن يكون الزواج تجربي يستمر أو لا. ويكن للزوجين تجديد عقد الزواج إذا بإمكانهم الاستمرار، وإذا فشل فهذ حقهم في البقاء أو لا”.

IMG ٢٠٢١٠٢٠٣ ١٥٥٣٥٦

¶ كتاب باسم زواج التجربة ورافضوه “عبيد”!

أعلن صاحب فكرة زواج التجربة، اليوم الأربعاء، أنه أصدر كتاباً حمل عنوان الفكرة مرفقةً بعبارة “ماتيجي نجرب”، بينما توحي صورة الغلاف لفتاة مراهقة صغيرة السن بالزي الإسلامي.

المحامي أحمد مهران

وكتب مهران، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” في 20/يناير الفائت: “الأحرار يُدافعون عن الفكرة دون النظر إلى المستفيد منها أو عنوانها، ويبقى المضمون هدفهم الأول والوحيد”.

وأضاف: “أما العبيد فيُحاربون الشخص صاحب الفكرة ويعادونه مهما كانت فكرته طيبة أو عظيمة، ويعاقبوه لأنه فكر ويلقونه بالحجارة ليقتلوه، أسهل عندهم من أن يقرأون أو يفكرون مثل ما فكر، لكن الجهلاء يشترون أشياء غير موجودة”.

 

صاحب فكرة زواج التجربة

إعداد: سامية لاوند

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى