مقال رأي

هل أخطأت واشنطن في حساباتها بسوريا وماذا تريد من “قسد” بعد انتهاء حقبة داعش؟

ترتيبات التدخل العسكري

شنَّ تنظيم داعش في 13 سبتمبر 2014، هجوماً مباغتاً على مدينة كوباني من ثلاث اتجاهات، وكان الملاحظ لدى أهالي المنطقة بأن حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي كانت قواته تسيطر على المدينة وما حولها بشكل كامل، كان على علمٍ مسبق بهذا الهجوم، فكانوا ينتشرون في القرى الشرقية والجنوبية ويبلغون الأهالي بضرورة المغادرة نحو الحدود التركية بشكل عاجل، لأن داعش يشنَّ هجوماً شرساً.

واشنطن
هل أخطأت واشنطن في حساباتها بسوريا

لاحظ الأهالي التنسيق المسبق بين الاتحاد الديمقراطي وداعش، وبالفعل وخلال أربع ساعات فقط عبر الحدود التركية حوالي مئتان وخمسين ألف شخص، وفتحت أنقرة حدودها على مصرعيها خوفاً من تكرار تجربة شنكال (سنجار) في هذه المنطقة، التي خطف فيها داعش بعام 2014 أثناء اجتياحها المئات من الفتيات والأطفال، فقاموا بسبي الإيزيديات وأخذهن كجواري وتمّ بيعهن في أسواق الموصل والرقة والمناطق الأخرى التي كان يسيطر عليها التنظيم، ومنذ اللحظة الأولى كانت واشنطن تراقب الوضع عن كثب. يبدو أنهم كانوا يرغبون باستدراج داعش إلى مستنقع كوباني لقضاء عليه دفعةٍ واحدة.

ليلة اجتياح كوباني

في شهر سبتمبر من 2014، حاصر داعش واقتحم مدينة كوباني من ثلاث اتجاهات في ليلةٍ مظلمة، ولم تتمكن القوات المتواجدة فيها حينذاك من الصمود بسبب شراسة الهجوم، ففرّ معظمهم إلى تركيا، وبقيّ في الزاوية الضيقة قرب المعبر الحدودي فقط 70 مقاتلاً، فدخلوا تركيا وسقطت المدينة بشكل شبه كامل، فأبلغت واشنطن هؤلاء بالعودة إلى الدفاع مجدداً لساعة واحدة فقط، ووعدتهم بالتدخل عسكرياً لحماية المدينة، وبالفعل بعد ساعة واحدة حلقت طائرات “إف 16” فوق مدينة كوباني فارتفعت معنويات المقاتلين المتبقين في المعبر الحدودي، فنسقت واشنطن مع أربيل وأنقرة وأدخلت حوالي 200 عنصر من قوات البيشمركة إلى كوباني مروراً بتركيا، ودخلت فصائل الجيش الحر على خط المواجهة فتمكنوا سوياً من تحرير المدينة بدعم من التحالف الدولي الذي شكلته واشنطن في بداية الأمر من (واشنطن، باريس، لندن، أنقرة، الدوحة، والرياض)، واتسع هذا التحالف فيما بعد ليصل العدد إلى 82 دولة، فانكسرت سطوة داعش في المنطقة، وتراجع خطوة خطوة حتى انتهى به المطاف إلى باغوز بريف ديرالزور، ليتم تحرير كامل منطقة شرق الفرات ويعتبر ذلك انتصارًا تاريخيًا على أشرس تنظيم وُجد على الأرض، ارتكب العشرات من أفظع المجازر في الرقة ومنبج وجرابلس.

وفي 2017، انتهت حقبة داعش في شرق الفرات بشكل كامل لتدخل من خلالها واشنطن إلى صراع مختلف وتحت عناوين جديدة مع موسكو وأنقرة وطهران على الويلمة التي تركها داعش من خلفه في المنطقة.

هل حمّت واشنطن كوباني ؟

فرحة أهالي كوباني بتحرير مدينتهم لم تكتمل، ففي 25 يونيو 2015، اقتحم حوالي 200 عنصر من داعش المدينة من الجهة الجنوبية والتي سُميت (بليلة الغدر) وتمكن داعش من اقتحامها خلال ساعة واحدة مروراً بحواجز حزب الاتحاد الديمقراطي، وقبل صيّاح الديك تمكن هذا التنظيم من قتل وذبح حوالي 500 شخص بدمٍ بارد تحت الصمت العالمي وبتنسيق مسبق مع بعض كوادر العمال الكردستاني، الذين كانوا يهيمنون على المنطقة ولازال المجرمون بدون محاكمة، فتم التكتم عليها من قبل الجميع لأن واشنطن لم تعد تهمها دماء الأبرياء الكرد السوريين، ولم تبادر حتى بتشكيل لجنة تحقيق فصمت الجميع.

أين أخطأت واشنطن وأين أصابت؟

بعد انتهاء معركة داعش وإعلان الانتصار في ريف ديرالزور بعام 2017، اختصرت نشاطها من خلال التحالف الدولي بالدخول في مواجهات استفزازية مع موسكو وأنقرة وطهران، وتركت الناس الذين أنهكتهم الحرب وشأنهم، وما خلفها من الدمار والخراب، فسلّمت رقاب الناس لمنظومة العمال الكردستاني في شرق الفرات لتستفرد بهم وتعتقلهم وتجندهم تارةً وتهجّر ما تشاء تارةً أخرى مستقويةً بالأمريكان، فعانى الناس الويلات من ممارسات هذه المنظومة التي بدورها حوّلت منطقة شرق الفرات إلى ساحة لتصفية الحسابات مع أنقرة.

الرئيس باراك أوباما، يستحق الشكر من الشعب الكردي في سوريا لقراره التدخل لحماية كوباني من السقوط بيد داعش، ولكن الرئيس ترامب كان خير خلف لذلك السلف، فنجح إلى حدٍّ بعيد بتقزيم الدور الإيراني في المنطقة ورصد مبالغ مالية كبيرة مقابل أية معلومة عن قادة حزب العمال الكردستاني (الثلاث)، فتمكن من ضبط إيقاعات القوى المسلحة في المنطقة وضرب بيد من حديد كل طرف خرج عن المسار المرسوم له.

ماذا تريد واشنطن من قسد بعد انتهاء حقبة داعش؟

تغلغلت الأجهزة الأمنية الأمريكية والفرنسية في شرق الفرات، واحتكت بشكل مباشر مع قادة “قسد” القادمين من “قنديل “، وتم تطوير العلاقة الإستراتيجية معهم بهدف استفزاز أنقرة، ليتحول الوجود العسكري الأمريكي (التحالف الدولي) في سوريا من محاربة داعش إلى معركة تصفية الحسابات مع أنقرة على حساب الشبان الكرد السوريين ودمائهم الطاهرة، الذين لا ناقةً لهم في هذه المعارك ولا جمل، والمنطقة انقلبت إلى ساحة لمعارك شد وجذب بين القوى المتصارعة على وليمة داعش. سحبت واشنطن نفوذها من مدينة رأس العين وتل أبيض وقبلها من عفرين، وتركت الناس فيها لتواجه مصيرها مع فصائل المعارضة السورية.

الكثير من الكرد السوريين يتساءلون: ما فائدة تحرير منطقتهم من داعش طالما نصف الشعب لازال في المخيمات والدول الجوار؟

وما الفائدة طالما سلّمت واشنطن منطقتهم إلى حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً في أوروبا وأمريكا وروسيا، ولا زالت المنطقة تعيش على أعصابها؟!

منطقة شرق الفرات تعتبر اليوم سلة الغذاء السوري، فالناس فيها جياع! مركز حقول النفط والناس ينتظرون لأيام أمام محطات الوقود لتعبئة سياراتهم فقط، فرغم كل ما يحصل، تتسارع الوفود الأمريكية والفرنسية إلى المنطقة بهدف عقد اللقاءات الأمنية مع قادة العمال الكردستاني، وكانت آخر جولة للوفد الأمريكي بقيادة مساعد وزير الخارجية الأمريكي جوي هود، ومديرة مجلس الأمن القومي لسوريا والعراق في البيت الأبيض، زهرة بيل.

التقى الوفد بقيادات “قسد” لتبلغهم شروط واشنطن مقابل البقاء في المنطقة، لكن هناك تسريبات أخرى تشير بأن الوفد الأمريكي قد التقى أيضاً بقادة العمال الكردستاني من الصف الأول في مدينة الرميلان (أقصى شمال شرق سوريا)، هذه اللقاءات إن تأكدت فإن التواجد الأمريكي العسكري في سوريا تغير مساره وبدأ العبور إلى ملعب آخر وبمعايير مختلفة.

بحسب التسريبات، واشنطن طلبت من العمال الكردستاني الانسحاب من (شنكال – سنجار) وإخراج كوادرها من سوريا مقابل التدخل لدى أنقرة بتفعيل عملية السلام من جديد ومحاولة إخراجهم من قائمة المنظمات الإرهابية. اللقاءات جرت بعيدةً عن الأضواء، وفيما يبدو أن الكرد في سوريا تحوّلت قضيتهم إلى ورقة للمساومة بين قيادات قنديل من جهة والأمريكان والفرنسيين من جهةٍ أخرى، لهذا السبب يعتبر المواطنون في شرق الفرات التواجد العسكري الامريكي، نعمة ونقمة بآن واحد.

الخلاصة:
المفاوضات بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي حول تحديد مصير المنطقة لازالت تترنح في مكانها منذ ثمانية أشهر. الرقة وديرالزور ذات الصبغة العشائرية العربية تحوّلت إلى مستنقع لتصفية الحسابات وعمليات القتل والتهجير المبرمج كما في المناطق الكردية الحدودية مع تركيا، هذه المناطق تحوّلت إلى معقل لكوادر حزب العمال الكردستان؛ التجنيد الإجباري والخطف، الاعتقال، قطع المواد البترولية عن الأهالي، ارتفاع الأسعار في ظل قلة الفرص العمل لازال سيد الموقف والآلاف من الأهالي ينتظرون على أعصابهم للعودة إلى منازلهم. كل هذا الأعمال تحدث في منطقة يفترض أنها (تحررت) من داعش؟ الأبعد من ذلك ذهبت واشنطن إلى التلاعب بورقة العمال الكردستاني ورفعها في وجه أنقرة كلما دعت الحاجة بهدف ابتزازها والضغط عليها لإجبارها على الابتعاد عن الدب الروسي.

لاشك أن واشنطن بالتنسيق مع تل أبيب تحاول تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ في المنطقة، وهذا ما لا تقبل به أنقرة وطهران، وحتى لو أودت إلى حرب مباشرة فيما بينهم داخل سوريا. يبدو النظام السوري هو الآخر تخلى عن شرق الفرات لصالح واشنطن مقابل تمرير الانتخابات الرئاسية، بينما موسكو تدرك جيداً مخاطر اللعبة في شرق الفرات ولهذا السبب زودت قاعدتها في الحميميم بأحدث صواريخ، أما باريس وتحت ستار المنظمات الإنسانية فوفودها الأمنية تتسابق إلى شرق الفرات بين الفينةً والأخرى لفتح الخيوط مع العمال الكردستاني بهدف ابتزاز أنقرة ودفع الأمور نحو المواجهة المباشرة.

بالمحصلة، إذا كانت واشنطن تدرك وبكل وعيّها حجم مخاطر لعبتها في سوريا عامة وشرق الفرات على وجه الخصوص فهذه مصيبة، أما إذا كانت تعمل بدون دراسة وإدراك حول محاولتها دفع المنطقة نحو احتقان طائفي – قومي، فالمصيبة أعظم!!

بقلم: الكاتب السياسي والمتحدث باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا، علي تمي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى