مقال رأي

هل وقعت واشنطن في مَصْيَدة حزب العمال الكردستاني؟

هل وقعت واشنطن في مَصْيَدة حزب العمال الكردستاني؟

التحضير لنصب الفخ

أعلن الرئيس الامريكي الأسبق باراك أوباما، التدخل جواً لحماية مدينة كوباني بعد أن اجتاحها داعش في 2014 لمنع تكرار تجربة (شنكال – سنجار) في هذه المدينة اليتيمة التي تدفع فاتورة الصراعات الإقليمية والدولية حتى يومنا هذا، التدخل الجوي لاحقه إنشاء تحالف دولي مصغر من ( الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، السعودية، قطر، تركيا… )، وتوسع هذا التحالف فيما بعد ليصل عدد الدول المشاركة فيه إلى 82 دولة بهدف القضاء على تنظيم داعش ووقف تمدده للهيمنة على الشرق الأوسط.

واشنطن
هل وقعت واشنطن في مصيدة حزب العمال الكردستاني!؟

تمدد داعش نحو المناطق الكوردية وخاصة كوباني، جاء بعد أن مهد كوادر حزب العمال الكردستاني الطريق أمامهم الطريق لاستدراجهم نحو مستنقع “كوباني”، وكان الاتفاق فيما بينهم ينص على أن يتوقف الهجوم على مشارف المدينة لكن داعش تنكر من وعدواتها، ودخل المدينة من جهتها الجنوبية والشرقية، وأظهرت الإمبراطورية الإعلامية لمنظومة حزب العمال الكردستاني حينها المشهد بأن هناك (أقلية عرقية) تتعرض للإبادة الجماعية – وكانوا محقين في قولهم نوعاً ما في بداية الأمر، لكن نسوا بأنهم من أتوا بالدب إلى الكرم وأفسد كل ما هو موجود على الأرض، وبالفعل تدخلت واشنطن جواً بعد ترتيبات سياسية حدثت حينها في إقليم كردستان، وبذلك تكون منظومة “قنديل” قد نجحت باستدراج واشنطن إلى المستنقع السوري ونجح في إيقاع الأمريكان في شباكهم التي نصبوا لها منذ العقود، وبالفعل دخلت واشنطن كوباني وبأدوات خاطئة لمحاربة أشرس تنظيم مكون من شبكة استخباراتية دولية وجِدت على الأرض وتركت خلفها الكثير من التداعيات والمآسي والكوارث.

الخطة (B)

بعد أن تأكدت منظومة “قنديل” بإنخراط واشنطن في عملية محاربة داعش دون رجعة وإرسالها 500 عنصر من قواتها الخاصة إلى منطقة شرق الفرات، عرضت خدماتها في بداية الأمر على التحالف الدولي دون مقابل لاستدراج الأمريكان أكثر فأكثر إلى المستنقع السوري لتفرض عليها شروطها في منتصف الطريق لتضعها تحت أمر واقع آلا وهو إما إفشالها في سوريا لتخرج مهزومة وبالتالي لتوجية طعنة إلى الرئيس باراك أوباما وإسقاطه في الانتخابات أو بأن تنفذ مطالبها والتي كانت تتلخص بما يلي:

1- إخراج حزب العمال الكردستاني من قائمة المنظمات الإرهابية الدولية.

2- التخلص والتهرب من الاتفاقات المبرمة مع النظام السوري والحرس الثوري الإيراني في السليمانية بإقليم كردستان ب2012 لمحاربة المعارضة الكوردية – السورية ضد النظام القائم.

3- خلق مظلة دولية لنفسها لإحراج تركيا أمام الرأي العام الدولي وفتح جبهات جديدة معها ولخلق حالة من التوازن في الصراع القائم منذ العقود.

بالفعل نجحت هذه المنظومة بإيجاد حالة من التوازن في الصراع القائم مع الأتراك تحت مظلة أمريكية وبالتواطئ من منظمة فتح الله كولن، التي كان رئيسها يمثل الأمريكان داخل المؤسسات الحكومية التركية، وبناء عليه حينها وجد الرئيس التركي (أردوغان) نفسه بين نارين إما القضاء على منظمة فتح الله كولن، وبالتالي قطع أصابع واشنطن داخل المؤسسات الحكومية وحماية إسطنبول ومنع إعادتها إلى اليونان أو أن سوريا ذاهبة نحو رسم واقع جديد في شرق الفرات وستكون الجغرافية التركية هي الوجبة الثانية، ونار الدخول في المواجهة المفتوحة مع هذه الأدوات للإطاحة بهم قبل وصول شرارة النيران إلى داخل تركيا.

المحاولة الانقلابية الفاشلة التي حصلت في تركيا من قبل (العسكر) لم يكن الهدف الرئيسي منها هو الوصول إلى قصر ( Cumhurbaşkanlığı Sarayı) في إسطنبول والسيطرة على البلاد، بل كان الهدف البعيد والإستراتيجي هو إركاع تركيا أمام المخطط الجديد وإشغالها في حروب داخلية ريثما يتم تمرير المخطط داخل سوريا وستكون جغرافيتها السياسية الوجبة التالية لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.

انقلاب البيت الأبيض على منظومة “قنديل”

مع وصول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض وفوزه في الانتخابات الرئاسية ب2016 متعهداً في خطاب النصر بإنه يرغب في “التعامل بنزاهة مع جميع الدول المستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة بما فيها تركيا”. هذا التصريح كان بداية جديدة للانقلاب على حزب العمال الكردستاني وفتح صفحة جديدة مع أنقرة بعد أن تمكنت هي الأخرة من الإطاحة بالانقلابيين الذين كانوا يخططون بالتعاون مع إدارة أوباما لضرب الجغرافية التركية قبل الوصول إلى 2023 .

فيقول ترمب بعد استلام الحقيبة النووية من باراك أوباما وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، في البيت الأبيض في 2019 إنه “من الطبيعي للجميع أن يكرهوا داعش، ولكن حزب العمال الكردستاني التابع للأكراد، كما تعرفون، ربما يمثل خطراً إرهابياً أكبر من داعش، وبالتالي هذه قضية معقدة”، مضيفاً أن هذا الحزب “أسوأ” من تنظيم “داعش”.

بعد هذا التصريح أخذت الأمور في شمال شرق سوريا، تأخذ منحى آخر، فتنازلت واشنطن لأنقرة عن تل أبيض وورأس العين، وفتحت منظومة قنديل أبواب شرق الفرات أمام جيوش الروس والنظام والإيرانيين انتقاماً من واشنطن ونكاية بها، فوجدت واشنطن أن تقزيم حجم منظومة حزب العمال الكردستاني وضبط إيقاعاته وتَقْليم أظافره “بات أمراً ضرورياً للغاية” بعد إصابتها بالغرور والتفاخر بقوتها أمام حيتان المنطقة وبهذا تكون المنطقة قد دخلت في نفق جديد وأخذت الأحداث تأخذ منحى آخر وتغيرت الموازين على الأرض في شرق الفرات.

الخلاصة: دعم واشنطن المستمر حتى يومنا هذا ولو تم تقليصه وضبطه لكوادر حزب العمال الكردستاني تحت اسم (قسد) بالتوازي مع التخلي عن الشعوب المنطقة، تركت نقطة سوداء في تاريخها المشرّف في مجال الحقوق الإنسان وحماية المدنيين في أوقات الحروب.

فهذا الحزب و تحت مظلمة التحالف الدولي، ضرب البنية المجتمعية في المناطق العربية في شرق الفرات وأحدث حالة الشرخ فيها، مستهدفاً كل شخص لا يرضخ لمطالبه تحت عنوان مكافحة (خلايا داعش)، وفي المناطق الكردية تستهدف معارضيها تعتقلهم وتقوم بتصفيتهم وتزجهم في المعتقلات، تمثل بجثثهم بتهم باطلة مستغلة الغطاء الذي تمنحها لها واشنطن بهدف محاربة داعش والقضاء على خلاياها النائمة.

بالمحصلة، على واشنطن أن تعترف بأنها أخطأت في حساباتها في سوريا ككل وشرق الفرات على وجه الخصوص، فهناك حالة احتقان كبيرة من العشائر العربية اتجاه التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة والسبب هم كوادر حزب العمال الكردستاني، الذين يختبئون تحت رايات (قسد)، بينما في المناطق الكردية فهناك استياء كبير على سياسة واشنطن في شرق الفرات بسبب حمايتها لحزب العمال الكردستاني في سوريا وممارساتها القمعية تجاه المجتمع ككل والقوى السياسية المعارضة لها بشكل خاص وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري لها تحت اسم “مكافحة خلايا داعش”، فإن أرادت إنقاذ سمعتها ومشروعها في سوريا وتقديم صورة إيجابية عن حربها لأهداف إنسانية بحتة وحربها على داعش، عليها اللجوء إلى العشائر العربية في شرق الفرات التي لها مواقف مشرّفة – مسبقة من التمدد الإيراني ومن النظام السوري في المنطقة وبإمكانها الاعتماد على جبهة السلام والحرية المشكّلة حديثاً من العرب والكرد والسريان في القامشلي، لتكون نموذجًا يحتذى بها ويتم توسيع هذه الجبهة لصالح العشائر العربية فيما بعد لتكون بوابة نحو تغيير ديموقراطي شامل في الواقع السوري ككل و لزرع الاطمئنان في نفوس الناس.

ولا شك أن واشنطن، دافعت وتدافع عن العدالة الاجتماعية في العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ومبادئ ويلسون (14) التي تضمنت حق الشعوب في تقرير مصيرها تركت بصماتهافي تاريخ الشعوب المضطهدة حول العالم.

فالخروج من أفغانستان مهزومة وعلى طريقة الاتحاد السوفياتي وإعادة تسليم هذا البلد إلى حركة طالبان المتطرفة، تركت ذلك صورة سلبية ونقطة سوداء في تاريخ حروبها على حركات التطرف في العالم، ومن جانب آخر تخيير الناس في شرق الفرات داخل سوريا بين دولة داعش الإسلامية أو إدارة حزب العمال الكردستاني (الشيوعية) أمر غير مرحب به ومحل امْتِعاض لدى شريحة واسعة من الناس في هذه المنطقة، فلازال هناك فُسْحَة من الوقت لتقوم واشنطن بإعادة ترتيب الأوراق من جديد وتلجئ إلى الشعوب وحقوقها المشروعة بدلاً من ضرب المنظمات الإرهاببية ببعضها وإدخال المنطقة في حالة الغليان والفوضى الخلاقة وإدارة الأزمات بدلاً من البحث عن الحلول الحقيقية لها.

الكاتب السياسي والمتحدث الإعلامي باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا: علي تمي 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى