حورات خاصة

سقوط طائرة إبراهيم رئيسي كان جزاءً من جنس عمله.. شهادات خاصة وقصص لم تروَ من قبل

بعد مقتله في سقوط طائرته المفاجئ، أعاد اسم الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي لذاكرة الإيرانيين والعراقيين بعضاً من تاريخه في “لجنة الموت” وما فعله بالأسرى العراقيين، إضافة إلى الخلاف المتجدد حول إمكانية خلافته للمرشد الإيراني وخطته لذلك، وصولاً إلى موته “الغامض” الذي لم يخلُ من نظريات تتحدث عن اغتيال أو عملية مدبرة. إلى ذلك، كشف عدد من الخبراء وشاهد إيراني بعضاً من تاريخ رئيسي وحقائق “مخفية”.

 

1 1

 

لجنة الموت.. طريق إبراهيم رئيسي للحكم

 

عندما صعد إبراهيم رئيسي إلى السلطة عام 2021 بانتخابات ميسرة، وقيل حينها إنها منتهية قبل أن تبدأ، عاد الجدل حول اسمه وعلاقته بلجنة الموت عام 1988.

 

قال رئيسي حينذاك رداً على الاتهامات التي تسببت في إدراجه على قائمة العقوبات الأميركية: “إذا دافع قاضٍ، مدعٍ عام، عن أمن الشعب، فإنه يتعين الإشادة به”.

 

وأضاف: “كل الأعمال التي قمت بها خلال فترة استلامي لمنصبي كانت دائماً في اتجاه الدفاع عن حقوق الإنسان.. اليوم في المنصب الرئاسي، أشعر بأنني مضطر للدفاع عن حقوق الإنسان”، وفق رويترز.

 

يقول الحقوقي الدكتور راهب صالح، مدير مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان بجنيف، خلال حديثه لوكالة “ستيب نيوز”: “إبراهيم رئيسي من الشخصيات المؤثرة في النظام القضائي الإيراني وقد ارتبط اسمه بما يُعرف بـ “لجان الموت” التي شكلت بأمر المرشد الخميني عام 1988، وأعدمت آلاف السجناء المعارضين خلال الثمانينات.

 

ويضيف: “هذه اللجان كانت مسؤولة عن محاكمات سريعة وإصدار أحكام بالإعدام ضد الآلاف من السجناء السياسيين بناءً على أوامر المرشد الأعلى الخميني، ومن بينهم أفراد من دولة الأحواز العربية المحتلة. ومن المجازر الكبرى التي أشرف عليها الجلاد مجزرة 1988 أو مجزرة إيران الكبرى أو مجزرة السجناء السياسيين أو مجزرة درب الحرية، وأهمها مجزرة السجون التي لم ترحم شيخاً مسنّاً ولا أماً مكلومة ولا براءة طفل، ففرقت شمل الأهالي، وذنبهم الوحيد معارضتهم لنظامٍ يستصرخ فيهم الطاعة العمياء”.

 

ويؤكد صالح أن “لجان الموت أخفت قسراً وأعدمت خارج نطاق القضاء سراً آلاف المعارضين السياسيين في سجني إيفين وجوهردشت بالقرب من طهران في عام 1988”.

 

ويتابع: “إن السلطات الإيرانية لا تزال حتى اليوم تخفي بشكل ممنهج الظروف المحيطة بمصير الضحايا الذين تقدر أعدادهم بـ 30,000 في جميع أنحاء إيران، تاركة أمهات ثكلى وأطفالاً يتامى وأسرًا أبيدت بالكامل في هذه المجازر، التي كانت تُجرى دون الالتزام بالمعايير القانونية الدولية للمحاكمات العادلة، والتي أُدينت من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية كجرائم تصنف على أنها جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”.

 

من جانبه، يقول الباحث والخبير الإيراني وجدان عبد الرحمن الأحوازي، في حديثه لوكالة ستيب نيوز: “تاريخ إبراهيم رئيسي الإجرامي لم يبدأ عام 1988 بل كان منذ بداية الثورة عام 1980 عندما كان مدعياً عاماً لمدينة كرج الإيرانية، ثم تم تعيينه مدعياً عاماً لمدينة همدان، وبعد 5 سنوات عُين مدعياً عاماً لمدينة همدان وبنفس الوقت نائب مدعٍ عام لطهران. بعد “مجزرة 1988″، تم تعيينه مدعياً عاماً لطهران ثم تسلسل في الأدوار القضائية إلى أن وصل إلى مسؤول السلطة القضائية، ثم أخيراً برئاسة الجمهورية”.

 

ويضيف الأحوازي: “منذ أول سلطة تولاها كان بعمر العشرين فقط، وبدأ بإصدار أحكام متشددة أبرزها الإعدامات. ولم يكن فقط يصدرها، بل كان يشارك في الإشراف عليها في العديد من المحافظات الأخرى غير كرج وهمدان وطهران، خصوصاً في محافظة الأهواز وما جرى من عمليات القمع بجامعة جمران وقتل الطلبة الجامعيين. ويذكر أن نائبه الذي أصبح الرئيس المؤقت، محمد مخبر، كان ضمن هذه المجموعة التي أشرفت على تلك العمليات”.

 

ويتابع: “إلا أن أسوأ ما مرّ في تاريخه هو سجل إعدامات عام 1988 بعد فتوى الخميني بإعدام السجناء السياسيين سواء من جماعة خلق أو الشعوب غير الفارسية بما فيهم عرب الأحواز”.

 

ويكشف الخبير الإيراني أن “مجموعة الموت” كانت تتكون من حسين علي نيري، مرتضى إشراقي، إبراهيم رئيسي، ومصطفى بور محمدي، ويؤكد أن ضحايا أحكام هذه المجموعة تجاوزوا 3 آلاف إلى 4 آلاف قتيل.

 

وتعاني منطقة الأحواز ذات الأغلبية العربية في إيران من تهميش وقمع مستمر منذ عقود، وتعرف هذه المنطقة بتوترات متزايدة بين السلطات الإيرانية والسكان المحليين، الذين يطالبون بحقوقهم الثقافية والسياسية. 

 

وتشير المجازر الإيرانية ضد الأحوازيين إلى سلسلة من القمع العنيف والاعتقالات الجماعية والإعدامات التي تستهدف النشطاء والمحتجين الأحوازيين. وتندد المنظمات الحقوقية الدولية بهذا القمع، مؤكدة أن السلطات الإيرانية تستخدم القوة المفرطة لقمع أي تحرك يطالب بالحقوق الأساسية أو يبرز الهوية الثقافية للعرب الأحوازيين. 

 

وتعيش هذه المنطقة في ظل سياسات تمييزية وإجراءات أمنية مشددة تهدف إلى السيطرة على أي حراك يطالب بالحريات والحقوق المدنية، مما يؤدي إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان وتفاقم المعاناة الإنسانية للسكان المحليين. 

 

إعدام العراقيين

 

يتهم إبراهيم رئيسي أيضاً بإصدار أحكام بحق الأسرى من الجيش العراقي، وبعضها، بحسب روايات، وصل إلى رمي الأسرى من الطائرات الإيرانية حتى الموت.

 

يقول الدكتور راهب صالح: “إبراهيم رئيسي كان عضوًا في اللجنة التي أشرفت على الإعدام الجماعي لآلاف السجناء السياسيين المتهمين بالتعاون مع العراق خلال حرب الخليج الأولى (الحرب الإيرانية العراقية). وفي تقرير صدر عام 2022، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنها وثقت أدلة دامغة تظهر أن عمليات الإعدام الجماعية ارتقت إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، وأن هذه الإعدامات شملت أشخاصًا متهمين بالتعاون مع العراق خلال الحرب الإيرانية العراقية. ومن خلال شهادة ضباط طيارين كانوا في الأسر لدى الجانب الإيراني، قالوا إن رئيسي كان يقضي برمي الجنود الأسرى والطيارين من طائرات الهليكوبتر”.

 

ويضيف: “تُعتبر هذه الفترة من التاريخ الإيراني وإلى يومنا هذا موضوعًا حساسًا ومثيرًا للجدل، حيث رُصدت الكثير من جرائم انتهاكات حقوق الإنسان، وقد أثارت العديد من الأسئلة حول حقوق الإنسان والعدالة”.

 

ويؤكد: “أن أبشع الجرائم الوحشية بحق الأسرى العراقيين نفذت بتوجيهات من إبراهيم رئيسي، حيث تم رمي الأسرى من الطائرات”.

 

ويتابع: “من بين حالات الانتهاك التي وثقتها منظمات إنسانية، اللقطة الشهيرة لعملية تقييد أسير من معصميه وربطهما بسيارتين تسيران باتجاه معاكس حتى قطعوا أطرافه قبل أن يجهزوا عليه رميًا بالرصاص في حادثٍ لم يحصل له مثيل في تاريخ الحروب. وإلى هذه الساعة، وبأوامر إبراهيم رئيسي، لا تزال السلطات الإيرانية تحتجز أسرى عراقيين في السجون الإيرانية”.

 

بدوره، يروي “الأحوازي” حادثة شهدها بنفسه ويقول: “أنا شاهد على عملية أرويها للتاريخ. عام 1990، بعد الحرب بين العراق والكويت، تدخل الحرس الثوري الإيراني، وقام باعتقال عدد من قوات الجيش العراقي خلال عملية وكمين للقوات المنسحبة من الكويت في منطقة البصرة. كنت أعمل بأحد مستشفيات الإمام الحسين وشهدنا جلب أكثر من 1600 أسير عراقي. وطلب مني الحرس الثوري أن أكون مترجمًا لما يقوله الأسرى العراقيون، وخلال ذلك، نقل عدد كبير من الأسرى بحوالي 6 سيارات نقل وسيارات إسعاف امتلأت بالجنود والضباط العراقيين الذين رفضوا أن يكونوا ضمن “التوابين”. وأنقل عن صديق كان ضمن القافلة أنه جرى نقل الأسرى إلى منطقة قرب الحدود العراقية ثم سمع وابلًا من إطلاق النار، ما يعني إعدامهم جميعًا”.

ويستطرد: “كنت شاهدًا أيضًا على هروب بعض الأسرى أعرفهم بالاسم، منهم الدكتور عبد العزيز القبيسي، والدكتور مال الله، والدكتور علي، إضافة إلى عدد من ضباط الجيش العراقي. هذا جزء من إجرام الحرس الثوري الإيراني، الذي خرج منه إبراهيم رئيسي وحتى نائبه الذي يتولى الرئاسة الآن محمد مخبر”.

 

ويعود الدكتور راهب صالح ليؤكد أن إبراهيم رئيسي من الشخصيات البارزة في النظام الإيراني وفي القضاء الإيراني، وله دور مؤثر في الأحداث التي أثارت جدلًا واسعًا.

 

ويقول: “منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الحقوقية دعت إلى التحقيق مع رئيسي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ولكن للأسف موقعه السياسي والقضائي ساهم في حمايته من الملاحقة القانونية داخل إيران”.

 

هل كان إبراهيم رئيسي مرشحًا لخلافة الخامنئي؟

 

تتحدث التقارير أن إبراهيم رئيسي كان من أبرز الأسماء لخلافة المرشد الإيراني علي خامنئي، إلا أن معلومات أخرى تتحدث عن أمر مغاير.

 

وفي إيران، يتميز دور المرشد الأعلى ودور رئيس الجمهورية بوظائف ومسؤوليات مختلفة تمامًا. 

 

المرشد الأعلى، وهو أعلى سلطة في البلاد، يتمتع بسلطات دينية وسياسية واسعة النطاق. يتولى الإشراف على السياسات العامة، ويملك الكلمة النهائية في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، وله سلطة تعيين وعزل العديد من المسؤولين البارزين مثل قادة القوات المسلحة ورؤساء المؤسسات القضائية والإعلامية.

 

في المقابل، رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية ومنتخب شعبياً لفترة أربع سنوات. دوره يتركز على إدارة الحكومة وتطبيق القوانين والسياسات اليومية. ويتولى الرئيس مهام تنفيذية وإدارية، بما في ذلك إدارة الاقتصاد والعلاقات الدولية، ولكن صلاحياته محدودة ومقيدة بسلطات المرشد الأعلى. 

 

وبينما يتمتع الرئيس بنفوذ كبير في تشكيل السياسات الداخلية، فإن قراراته تخضع لموافقة المرشد الأعلى، مما يجعله يعمل ضمن إطار سياسي محدد تضعه القيادة العليا للبلاد.

 

يقول الدكتور راهب صالح: “إبراهيم رئيسي مقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي، والخامنئي يُنظر إليه كمرشح محتمل لخلافته. إلا أن اسمه قد أُزيل من قائمة الخلفاء المحتملين استباقاً لموت خامنئي. وهذا يدل على أن هناك خلافات كبيرة في منظومة القيادة أدت إلى اغتيال رئيسي من خلال هذا الحادث المدبر المشبوه الذي تشير أصابع الاتهام إلى أن مجتبى علي خامنئي سيقود الدولة العميقة في إيران”.

 

من جانبه، يقول الدكتور محمود المسافر، الدبلوماسي العراقي السابق: “رئيسي استطاع تكوين شبكة علاقات قوية داخل وخارج إيران بالتزامن مع تراجع صحة المرشد الإيراني علي خامنئي، وأتوقع أنه إما كان يقود انقلابًا ما أو أن انقلابًا حدث عليه لوقف تعاظم قوته”.

 

ويضيف: “رئيسي كان أول رئيس إيراني قوي بعد أحمدي نجاد، وشخصيته قوية، فهو من الصقور والمتشددين لكنه منفتح وكان يريد إقامة علاقات جيدة مع الغرب ومع محيطه، وهذه كانت أحد أسباب التخلص منه من قبل منافسيه أو أعدائه”.

 

بينما يرى وجدان الأحوازي شيئًا آخر خلافًا لذلك، ويقول: “لدي معلومات خاصة تؤكد أن وصول إبراهيم رئيسي إلى سدة الحكم وتسهيل ذلك خلال الانتخابات لم يكن ليصبح خليفة المرشد الإيراني علي خامنئي، بل ليمهد الطريق لابن المرشد مجتبى خامنئي”.

 

ويضيف: “نعلم أنه عام 2022 اجتمع مجلس قيادة الثورة لتولية مجتبى خامنئي بعد أبيه، لكن لم يصلوا إلى توافق وحصلت خلافات، لذلك عمد النظام على إيصال رئيسي للسلطة لما يتمتع به من علاقات خصوصًا بدائرة مشهد وتأثيره على الحلقة العلمية بقم، ليهيئ الأجواء من خلال ذلك لمجتبى خامنئي”.

 

وشهدت إيران عدة حوادث “غامضة” طالت قادة عسكريين وسياسيين بارزين، مما أثار جدلاً واسعاً حول أسبابها وتداعياتها. 

 

ومن بين هذه الحوادث، يُذكر حادث سقوط الطائرة عام 2006 الذي أودى بحياة قائد القوات البرية للجيش الإيراني اللواء أحمد كاظمي وعدد من كبار ضباط الحرس الثوري.

 

إضافة إلى مقتل الرئيس الإيراني السابق محمد علي رجائي ورئيس وزرائه محمد جواد باهونر في حادثة تفجير وقعت في 30 أغسطس 1981. حيث جرى التفجير في مكتب رئيس الوزراء في طهران، حين كانا يعقدان اجتماعاً. 

 

ويُعتقد أن القنبلة كانت مخبأة داخل حقيبة أو جهاز تسجيل جلبه أحد الزوار إلى المكتب. 

 

واتهمت الحكومة الإيرانية حينها منظمة “مجاهدين خلق” (مجاهدي خلق) بالمسؤولية عن هذا الهجوم، وقد كانت هذه المنظمة معارضة للنظام الجديد الذي تأسس بعد الثورة الإسلامية في 1979. كانت هذه الحادثة بعد سلسلة من الهجمات والاغتيالات التي استهدفت مسؤولين إيرانيين في تلك الفترة، والتي ساهمت في زيادة التوترات السياسية في البلاد. 

 

ومع مقتل إبراهيم رئيسي وتولي نائبه محمد مخبر لفترة انتقالية، برز اسم مجتبى خامنئي مجددًا حيث يلقب بأنه رجل الظل، ورغم قلة ظهوره وعدم وجوده بأي مركز واضح للسلطة، إلا أن علاقته القوية بالحرس الثوري تمهد الطريق أمامه ليكون المرشد القادم لإيران بدون منافس. ويبقى حادث مقتل إبراهيم رئيسي من بين الحوادث التي ستطوى بحسب الخبراء في إيران كما طوي غيرها، حيث يرى فيها البعض جزاء إلهي من جنس العمل الذي ارتكبه رئيسي بحق الأسرى العراقيين. 

 

 

سقوط طائرة إبراهيم رئيسي كان جزاءً من جنس عمله.. شهادات خاصة وقصص لم تروَ من قبل
سقوط طائرة إبراهيم رئيسي كان جزاءً من جنس عمله.. شهادات خاصة وقصص لم تروَ من قبل

 

إعداد: جهاد عبد الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى