في أقصى نقطة من القرن الأفريقي، حيث تلتقي الرياح التجارية بالمياه العميقة لمضيق باب المندب، ظل ميناء بربرة الصومالي لعقود أسير طموحات أكبر من حجمه. لكن هذه الصفحة طويت بفضل رؤية دولة الإمارات، التي آمنت بأن الاستثمار في البنية التحتية للصومال هو المفتاح الحقيقي لاستقراره وازدهاره. على أرض هذا الواقع، جاء إعلان شركة موانئ دبي العالمية (ديبي ورلد) في أكتوبر 2025 عن إطلاق خط ملاحي استراتيجي جديد يربط ميناء جبل علي الحيوي في الإمارات بميناء بربرة في أرض الصومال، ليجسد هذا المبدأ بأبهى صوره. لم يكن هذا الإعلان مجرد حدث لوجستي، بل كان تتويجاً لرؤية تنموية متكاملة رسمت ملامحها الإمارات، فتحول بموجبها الميناء القديم إلى منصة انطلاق إقليمية عملاقة وممر لوجستي حيوي يعج بالحركة والنشاط التجاري.
هذه ليست مجرد حاويات تنتقل بين ميناء وآخر، بل هي قصة تعاون تنموي بدأت قبل أعوام، حين راهنت الإمارات على أن السلام والاستقرار في الصومال يمران عبر موانئه وطرقاته ومستشفياته. فشركة موانئ دبي العالمية، التي تمتلك حصة 58.5% في محطة حاويات بربرة، لم تكتف بتشغيل المرفق، بل ساهمت في تطوير رصيف بطول 1,050 متراً قادر على استقبال أضخم السفن،
ورفعت كفاءة الميناء بشكل غير مسبوق: زيادة قدرها 450% في إنتاجية السفن، وارتفاع بنسبة 30% في أعداد الحاويات، و90% في البضائع العامة خلال سنوات قليلة فقط. وهذا يعني أيام عمل أقل، وتكاليف شحن مخفضة، وتجارة تتدفق بسلاسة أكبر لصالح التاجر الصومالي والمزارع الإثيوبي على حد سواء.
التنمية التي تلمسها الأيادي: ممرات وسكك وغاز من أجل حياة أفضل
استثمار الإمارات في الصومال لم يعد محصوراً في الأرصفة البحرية. فمشروع تطوير ممر النقل البري بين بربرة وإثيوبيا، بطريق طوله 250 كيلومتراً وطريق هارجيسا الالتفافي الذي يبلغ 22.5 كيلومتراً، بدعم من صندوق أبوظبي للتنمية، تحول إلى شريان جديد يربط المزارع والأسواق بالعالم.
إضافة إلى ذلك، وقعت موانئ دبي العالمية اتفاقية لإنشاء محطة ضخمة للغاز البترولي المسال في بربرة بقدرة تخزينية تصل إلى 328 ألف متر مكعب، وهي منشأة ستحول المنطقة إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة وتوفير فرص عمل لآلاف الشباب الصومالي.
ثم هناك المنطقة الاقتصادية الخاصة في بربرة (BSEZ)، التي صُممت لاحتضان الصناعات الخفيفة والمتوسطة، وستكون، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة مثل تدريب أوائل "الأمهات الشمسيات" على تركيب وصيانة الألواح الشمسية، نقلة نوعية في مفهوم التنمية المستدامة والمجتمعية في البلاد.
يد العون في أشد لحظات الضيق: 700 طن من الغذاء والأمل
لم تقف الإمارات عند حدود البنية التحتية فقط، بل كانت دائماً أول المبادرين لتخفيف معاناة الشعب الصومالي. عندما أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية حالة الطوارئ بسبب الجفاف الحاد في يناير 2025، تحركت أبوظبي فوراً وأرسلت شحنة إغاثية عاجلة بلغت 700 طن من المواد الغذائية الأساسية، تكفي لسد جوع نحو 150 ألف شخص من الأسر الأكثر تضرراً. السفير الإماراتي في مقديشو، أحمد جمعة الرميثي، هو من سلّم هذه المساعدات بنفسه، مؤكداً أن الإمارات ستواصل العمل بشكل وثيق مع وكالة إدارة الكوارث الصومالية (SoDMA) لتخفيف الأثر الإنساني للجفاف والفيضانات. كما أكد على نية الإمارات تنفيذ مشاريع حفر آبار مياه جوفية في المناطق الأكثر تضرراً، وهو ما يحول المساعدات الإغاثية المؤقتة إلى حلول دائمة تعزز صمود المجتمعات المحلية.
القوة الناعمة للاستقرار: تدريب الجيش ومكافحة الإرهاب
لا يمكن لأي تنمية أن تستمر من دون أمن واستقرار، وهنا يتجلى البعد الاستراتيجي للدور الإماراتي في الصومال. فمنذ عام 2011، عملت الإمارات على بناء قدرات المؤسسة العسكرية الصومالية، بدءاً من تأسيس قوة شرطة بونت لاند البحرية (PMPF)، التي تطور دورها من مكافحة القرصنة إلى خوض معارك شرسة ضد تنظيم داعش الإرهابي في جبال غالغالا الوعرة، بدعم مالي سنوي يقدر بنحو 50 مليون دولار. كما قامت أبوظبي بإنشاء مركز تدريب عسكري في مقديشو درب مئات الجنود، وكانت رائدة في دفع رواتب أكثر من 2,400 جندي حكومي، وهو ما ساهم بشكل مباشر في رفع الروح المعنوية والكفاءة القتالية للجيش الوطني الصومالي.

لقد ساهم هذا الدعم في تحقيق انتصارات ملموسة على الأرض، ففي فبراير 2025، تمكنت قوات الأمن الإقليمية في بونت لاند، بدعم من الإمارات والولايات المتحدة، من قتل أكثر من 150 عنصراً من داعش، معظمهم من المقاتلين الأجانب، وطرد التنظيم من معاقله الجبلية، وهي ضربة قاصمة أعادت الأمن إلى المنطقة ومكنت العائلات النازحة من العودة إلى ديارها. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الإمارات على تعزيز التعاون الأمني مع إدارة أرض الصومال، بهدف تحديث القدرات العسكرية وتوفير الدعم اللوجستي المتقدم، مما يساهم في سد الفجوات الأمنية التي تستغلها الجماعات المتطرفة.
مع دخول هذه المشاريع العملاقة حيز التنفيذ، وتحول ميناء بربرة إلى بوابة التجارة لشرق إفريقيا، وتنامي قدرات الجيش الصومالي على حماية حدوده، لم يعد السؤال المطروح هو "هل ستنجح الإمارات في إحداث الفارق في الصومال؟"، بل تحول إلى "إلى أي مدى سيمتد أثر هذه الشراكات ليعيد كتابة مستقبل الأمن والازدهار في القرن الأفريقي بأكمله؟". لقد أثبتت الإمارات أن مساعداتها ليست مجرد وعود أو أموال توضع في حسابات، بل هي موانئ تُبنى ومدارس تُفتح وأرواح تُنقذ.
