• الثَلاثاء

    كانون الأول 2018

  • 11

“البلد ما عادتْ بلدنا”

نشر في : أغسطس 23, 2018 10:07 م

بقلم أحمد أبو الوليد

كانَ الطَّريقُ مُتعبٌ و مازال مستمرٌّ ، أعداءٌ هنا و هناك و أشلاءٌ باتتْ تحتَ التُّراب بعدَ أنْ دفعَّتْ ثمنَ حريتَها…

في تلك اللَّيلة كنتُ قد غرقتُ في مُخيلتي و أقتربتُ أكثرَ فأكثر من تلك البلاد دخلتُها عبرَ مُخيلتي و لم أتركْ أيّ شبرٍ فيها.

القصةُ بدأتْ مِنَ الجنوبِ من هناك حيثُ المهد و الصَّرخةِ الأوُّلى حيثُ ‘حمزة و رفاقِه’ ؛ درعا لم تحتضنني نظرتُ في زواياها كان لِأبناءِ روسيا مكاناً فيها ، حاصروني من كلِّ جهةٍ و معهم رفقاء الأمس بمسمًى جديدٍ و لباسٍ جديد ، لباسُ الذُّل و الهوان.

اتخذتُ قراري و مشيتُ بطريقي لِدمشق! كان موحشاً على غيرِ العادة ؛ رغم أنَّ هوائَها لم يتغيَّر هي الشَّامُ بعذوبتِها ؛ ولكني في اللَّحظةِ الأخيرة لم أجرؤ على دخولِها فالعمائم كانتْ طاغيةٌ على المشهد و اللَّطمِ على الحَسن و الحُسين عَمَّ في عاصمةِ الأمويِّين ، خنقَني المنظر و توقفتُ عند مدخلِها ، دمدمَ بأُذني صوت: “لا تدخل إنَّها لم تعُد لكم” كانَ حنيني إليها يقتُلني ، و لم أصل! منعني أبناءُ الزناة منها.

أكملتُ الطَّريق إلى وسطِ البلاد و أنا ارتجفُ خوفاً من أنْ تكون باقي البلاد قد نُهبت أيضاً كانت المحطَّةُ التَّالية ‘حمص’ لكنَّها ليستْ كما السَّابق ! لم تعُد جميلة كما عهدناها حمص الوليد ، دمرَّها الغزاة ، دمرَّتها قذائفُ الحقدِ قبلَ أنْ تُهجِّر أهلُها ؛ قُصِمَ ظهرَها مدينةُ خالد ابن الوليد …

و مازلتُ ارتجفُ خوفاً لِما تبقى من بلادي أكملتُ الطَّريقَ إلى أنْ أجدَ مكاناً جديداً ، الطَّريقُ كانَ طويلاً و الهواءَ بدأ يتقطرُ عليّ ؛ انقطعَ ! لا لم ينقطعْ إلا أنَّ حاجزاً لم أفهم ما يُريد كان قد أوقفَني لدقائقٍ ، أكملتُ الطَّريقَ حتَّى وصلتُ لأزقةٍ كنتُ أعرفُها ، أحفظُ ملامحَها لكنَّ المكانَ موحشٌ ! أكملتُ في تلك الأزقة حتَّى تأكدتُ من أنَّها رقتَّي شعرتُ بالسَّعادةِ لأوَّلِ مرةٍ في بلادي ولكن الأعلامُ كانت مختلفةً ، ألواناً لم أعهدها و صوراً لِأشخاصٍ لا أعرفُهم.
كانَ يتواجدُ فيها العديد من النَّاس غير أنَّهم باتوا مختلفين ، وجوهٌ و لهجةٌ لا أعرفُها ، كان للطائفةِ و العِرق مكاناً واسعاً في الرَّقة و الرَّقة كلّها لأبناءِ الغرب ! لم أستطع البقاء

في اللَّحظةِ ذاتها كان هواءُ الشَّرقِ يجرُّني إليه حيثُ مدينتي و ما تبقى لي من هذه البلاد كنتُ قوياً هذه المرَّة و وصلتُ أسرعَ من كلِّ المرَّات السَّابقة دخلتُ مهرولاً مُتَّلفتْ في كلِّ زاويةٍ ، كان هناك الكثير من الناس إلا أنَّ أصحابَ اللِّباس المموه الأغلب ، رأيتُ عمائماً- شعاراتاً- طائفةً ؛ تذكرتُ أوَّلَ صوتاً همسَ في أُذني : “أنتَ سُنِّي” لم أجرؤ على الجواب فهززتُ رأسي بِـ(نعم) لكنَّه همسَ مجدداً : “لا تبقى” تجرأتُ على الحديثِ من جديد : “لماذا” عادَ و همسَ ولكن الصَّوت كان منخفضاً حينها ” لا تبقى لم تعُد بلدك( ارحل) ” الحنينُ أجبرَني أنْ أبقى فيها لِـلحظات لِـثواني لكن لم تصل لساعات.

كانَ لا بدَ أنْ ينتهي الخيالُ ؛ و انتهى و عادَ الطَّريقُ طويلاً كما كانَ و كما رأته عيني تماماً أسلاكاً شائكة و حُرَّاساً في كلِّ مكان ، وجوهاً غريبة ، أُناسٌ لم أعرفهم و لم يعرفوني لم أجد ما اشتهيه و وجدتُ كلَّ ما لا اشتهيه

كان الحاكمُ هناك روسي و أمريكي و شيعي و طائفي و عبدٌ ، و بعدَ كلِّ هذا لم يحكمها الأحرار ! ليستْ لنا و لن تعودَ لنا كانتْ موحشةً أكثرَ من الوصفِ

عُدتُ إلى واقعي و كانَ في رأسي شيءٌ يقول “البلد ما عادتْ بلدنا”.

ملاحظة : وكالة ستيب نيوز لا تتبنى وجهة نظر كاتب المقال وليس من الضروري أن يعكس مضمون المقال التوجّه العام للوكالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يوجد تعليقات