• الجُمُعة

    آذار 2019

  • 22

شبانُ المصالحات .. عبيدٌ مصفدة في سوقِ نخاسة الأسد

نشر في : يناير 17, 2019 10:00 ص

الصحفية عائشة الحمصي

إنَّ أبرز ما يُميِّز المجتمعات الإنسانيَّة التي ترزح تحت نير الأنظمة الدكتاتورية الشموليَّة، هو غياب الحسِّ بالمواطنة الصالحة، والتي تقوم على مبدأ الحقِّ والواجب، والذي يكون أساسه عقدًا اجتماعيًّا طوعيًّا طرفيه السلطة العادلة والمواطن الصالح، ويقوم هذا العقد على فكرة التبعيَّة التلقائيَّة من رعايا الدولة لسلطة إداريَّة عُليا تُنظِّم أمورهم، وترعى مصالحهم وتُدافع عن أملاكهم ومكتسباتهم، وقد قبلوا بموجب هذا العقد الخضوع لمنظومة متكاملة من الشرائع والقوانين والأنظمة بشرط العدالة والمساواة، وتكافؤ الفرص وحفظ كرامة المواطن، وهذا هو تمامًا ما تفتقده الجموع الغفيرة والمتنوعة دينيًّا، وإثنيًّا وثقافيًّا من الشعب السوري.

مؤلمة جدًّا تلك الصور القادمة من ساحات الوطن الجريح لسلطات “ميليشياوية” تسوق الناس في مواكب أقرب ما تكون لأرتال العبيد المصفدة في أسواق النخاسة بغرض فرض تبعيَّة قسريَّة وهستيريَّة للدفاع عن السلطة الموغلة في دمائهم وأعراضهم وممتلكاتهم، يسوقهم رجال أبعد ما تدلُّ هيئاتهم على هيئات رجالات الدول المنوط بهم تنفيذ القوانين والأنظمة بملابسٍ عسكريَّة مختلفة الأشكال، و لحى كثة وأحذيَّة رياضيَّة.

إن دلَّتْ على شيء؛ فإنَّما تدلُّ على مجاميع ميليشيات فوضوية أبعد ما تكون عن رجالات السلطة المنظمة والواعية، وبحكم أنَّ السلطة الحاكمة في سوريا تعلم علم اليقين انفراط عرى عقدها الاجتماعي مع مواطنيها، فإنَّها تجد نفسها مضطرة لسوقهم بهذه الطريقة الساديَّة والمتوحشة، بسبب أنَّهم أصبحوا في حلٍّ من التزاماتهم نحوها منذ أن تخلَّت عن دورها في رعاية حقوق مواطنيها، وانتشرت الرؤية العنصريَّة والوحشيَّة على أسس طائفيَّة، وحزبيَّة ومناطقيَّة لمُجمل أوجه الحياة المدنيَّة والعسكريَّة.

على السلطة الحاكمة في دمشق قراءة مدلولات الصور والمشاهد لرجالاتها الذين يسوقون الناس سوقًا في طوابير، وأرتال أقرب ما تكون إلى صور أرتال المواشي وصفوف العبيد المكبلة، والتي يُراد منها تقديم خدمات إجباريَّة مجانيَّة دون أن يكون لها المطالبة في نيل أيّ حقٍّ أو مزيَّة إنسانيَّة تدلُّ على عدالة السلطة وأهلّيتها للحكم والقيادة، وما كان لهذه السلطة أن تضطر لفعل ذلك، وهي عادلة وتنظر إلى مواطنيها نظرة واحدة وبعين واحدة وتفرض قوانينها ونصوصها الدستوريَّة وفق قاعدة تشاركيَّة واضحة وقائمة على تبادل الحقوق والواجبات المتساويَّة والمتكافئة.

دومًا ما تكمن مشكلة الدول وريادتها في إقناع رعاياها بالالتزام الطوعي بالخضوع لأنظمتها التي قبلوها بإرادتهم الحرَّة ووقعوا على الالتزام بها، مُقابل حقوق كاملة، ومتساويَّة في العمل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفق أسس وقواعد قبلت السلطة وشعبها بالخضوع لها، ثم من جانب آخر لماذا يتهرَّب المواطن من أداء واجبه تجاه السلطة وليس الوطن، ولماذا تضطر السلطة للتعامل معه بهذه الطريقة وتجبره على أداء واجب تراه ملزم به ولا يراه هو كذلك؟.

السبب أنَّ المواطن عندما يشعر بالغربة والإذلال وفقدان الأفق الإنساني والقانوني، وهو في بلده ومسقط رأسه، سيكفر بالسلطة الحاكمة وأنظمتها الكيدية الفاسدة، وبكلِّ أدواتها التشريعيَّة والتنفيذيَّة لفقدانه أساس قيامة الدول، وديمومتها وهي العدالة وحفظ كرامة الرعايا وحقوقهم.

لماذا يتهرَّب الشباب من الخدمة الإلزاميَّة، وقوَّات التعبئة الاحتياطيَّة، والزجّ بأنفسهم في أتون حرب طاحنة تقول سلطتهم وأدواتها الإعلاميَّة، وأبواقها السياسيَّة والعسكريَّة: إنَّها حرب مقدسة، ومصيريَّة تُحيق بالوطن وأهله لمواجهة الإرهاب، والتآمر الدولي، ولماذا لا يمتلكون ذات الحسِّ الذي تمتلكه السلطة الحاكمة، ويشعرون بذات الخطر على الوطن برمَّته كما تشعر هي.

ويتهرَّبون من وجه السلطات المكلفة بسوقهم، وتعبئتهم داخل البلاد وخارجها، ويدفعون أموالًا طائلة حتى، ولو باعوا أغلى ما يملكون لترتيب أوراق سفر، أو إعفاء، أو تأجيل، لولا شعورهم أنَّ هذه المعركة ليست معركتهم، وليست معركة الوطن كما تدَّعي السلطة، وما هي إلا معركة السلطة نفسها مع مشغليها الإقليميين والدوليين ضدّ الشعب، لشعورها بتهديد يتربّص بكينونتها، ومكاسبها الذاتيَّة، ويُعيق الخريطة الاستراتيجيَّة لعديد الدول المتربّصة بالوطن وأهله.

لم يعد من الممكن التفكير في رؤية دقيقة لإصلاح السلطة القائمة على أسس قانونيَّة ودستوريَّة كما كان يعتقد الكثيرون في البداية، ولا جدوى واقعيَّة في إنجاز أيِّ حلول حقيقية للصلح معه، ومع النخبة الأمنيَّة الحاكمة التي أوغلت فسادًا وتنكيلًا ليس فقط في كامل البنيَّة الاجتماعيَّة للشعب ووحدته فحسب، بل وفي الوجه الحضاري والتاريخي لهذه الأرض، والتي تستحق سلطة رشيدة وواعيَّة تُقدِّر مواطنيها، وتصون كرامتهم وتذود عن حقوقهم وتسعى ما استطاعت لإزالة العوائق التي تحول دون تطوُّرهم ورفاههم.

ملاحظة : وكالة ستيب نيوز لا تتبنى وجهة نظر كاتب المقال وليس من الضروري أن يعكس مضمون المقال التوجّه العام للوكالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يوجد تعليقات

اغلاق