تطورات متسارعة تشهدها غزة خلال الساعات الماضية، بين إعلان مقتل قادة من الصف الأول بالقسام واستعداد إسرائيل لعملية عسكرية كبيرة لاحتلال كامل القطاع، بالوقت الذي تتعثر المفاوضات ويزداد الضغط على الأطراف، ويرى محلل سياسي فلسطيني تحدث لوكالة ستيب نيوز أن المشهد يعاد صياغته تحت وقع النار.
إعلان مقتل محمد السنوار… إسدال الستار على غموضٍ طويل
أعلنت حماس رسميًا وفاة محمد السنوار، القائد العسكري في غزة وأخ يحيى السنوار، بعد أشهر من قول إسرائيل إنها قتلته في مايو/أيار 2025، جاء ذلك بعد أن نشرت حماس صورًا وأدرجته ضمن “الشهداء”، من دون تفاصيل حول الملابسات—لتُنهي بذلك تكهُّنات استمرت أسابيع.
التقارير الإسرائيلية والغربية تربط مقتله بضربةٍ استهدفت مجمّعًا تحت الأرض في جنوب القطاع، والتأكيد يُعدّ ضربةً إضافية لطبقة القيادة التي فقدت تباعًا محمد الضيف ويحيى السنوار من قبل، ويُرجَّح—بحسب بعض التقديرات—أن يتقدّم عزّ الدين الحدّاد لأدوارٍ قيادية ميدانية.
يقول الدكتور إياد القرا، الباحث والمحلل السياسي الفلسطيني: "إن هوية الجهة التي تدير الملف داخل حركة حماس ما زالت غير واضحة، إذ تحوّل الأمر إلى سرية تامة ولم يتم الإعلان عنه رسميًا".
ورجّح أن يكون أحد القادة التاريخيين الذين ما زالوا على قيد الحياة، أو من الشخصيات التي قادت ألوية عسكرية في كتائب القسام مثل عز الدين الحداد أو سعد الحداد، لافتًا إلى أن الهيكلية التنظيمية والعسكرية لكتائب القسام لم يُكشف عنها بشكل صريح.
ويضيف أن بعض قادة الألوية لم يُعلن مصيرهم بعد، ما يجعل إدارة هذا الملف ضمن القضايا السرية التي تُعالج بدقة نتيجة الملاحقات الإسرائيلية المستمرة.
إلى جانب ذلك تقاطعت تقارير صباح اليوم عن مقتل أبو عبيدة الناطق باسم القسام في ضربةٍ جوية بغزة.
إسرائيل هايوم نقلت أن مصادر فلسطينية أكدت مقتله، فيما ضخت منصات اجتماعية روايات مشابهة، لكن لا يوجد حتى كتابة هذا التقرير إعلانٌ رسمي من حماس على قنواتها المعروفة يثبت ذلك بشكل قاطع. وعليه يبقى الملف في خانة “تقارير قوية” بانتظار تأكيدٍ رسمي أو نفي.
الهدنة الممكنة… والكرة بملعب إسرائيل
على المسار السياسي، تؤكد حماس أنها وافقت على مسودة هدنة قدّمها الوسطاء (قطر ومصر)، تتضمّن—وفق تقارير متعددة—وقفًا مؤقتًا للعمليات لمدة 60 يومًا، وتبادلات للأسرى، وتدفّقًا واسعًا للمساعدات مع استئناف مفاوضاتٍ نحو وقفٍ دائم.
في المقابل، تشير تل أبيب إلى أنها ستواصل الضغط العسكري حتى استعادة كل المحتجزين وتفكيك قدرات حماس.
حول ذلك يقول الدكتور القرا: "حركة حماس أبدت مرونة كبيرة وتنازلات واضحة في التعامل مع المقترحات، حيث وافقت بشكل علني على المبادرة الأخيرة التي قدّمها الوسيطان القطري والمصري، مع بعض التعديلات والملاحظات".
وأشار إلى أن الكرة أصبحت الآن في الملعب الإسرائيلي، وأنه لا توجد حتى اللحظة مبادرات جديدة، باستثناء ما قد يُعاد طرحه من "المبادرة الشاملة" التي سبق أن تقدمت بها حماس.
وتقوم هذه المبادرة على صفقة كاملة تشمل إطلاق سراح جميع الأسرى والرهائن الإسرائيليين أحياءً وأمواتًا، مقابل الإفراج عن أصحاب المحكوميات العالية والمؤبدات، وأسرى من غزة، إضافة إلى إعادة الإعمار وفتح المعابر، ووقف الحرب باعتباره الشرط الأساسي، مع إدخال المساعدات الإنسانية باعتبارها نتيجة طبيعية لذلك.
وتلخّص تغطيات غربية الموقف بوضوح: موافقة حماس المبدئية موجودة، لكن التثبيت النهائي مشروطٌ بقرارات إسرائيلية داخلية وترتيبات التنفيذ.
ويُعدّ هذا التطور امتدادًا لمسارٍ متعثر شهد محطات قبول ورفض متبادلة طوال عام 2025.
وبين المحلل السياسي الفلسطيني أن إسرائيل لم توافق على هذه المبادرة في وقتها، واتجهت نحو فكرة "الصفقة الجزئية". ووفق القرا، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتبع استراتيجية "التفاوض تحت النار"، إذ يحاول الموازنة بين إرضاء شركائه من اليمين المتطرف في الائتلاف الحاكم وبين الذهاب نحو اتفاق ولو كان جزئيًا.
وأكد أن العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق تكمن في الحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي، بينما يسعى نتنياهو للظهور بمظهر المتشدد الذي يحقق إنجازات سياسية وعسكرية.
الاحتلال الكامل على الطاولة: قرار حكومي يوسّع العمليات
بالتوازي، أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي خطةً للتقدّم نحو احتلال غزة مدينةً فمدينة بدءًا من مدينة غزة، بوصفها المرحلة الأولى في عملية قد تتسع إلى السيطرة على كامل القطاع وفق تسريبات إسرائيلية.
هذا القرار، الذي جاء بعد جلسات مطوّلة، أثار انتقادات داخلية وخارجية خشيةَ تعميق الكلفة الإنسانية والسياسية وفتح باب إدارةٍ عسكرية طويلة الأمد من دون مخرجٍ سياسي واضح.
يشير الدكتور القرا إلى أن نتنياهو يدرك أن العمل العسكري وحده لن يؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى أو إنهاء حكم حماس، مستدلًا بتصريحاته السابقة منذ أكثر من عام ونصف عندما تحدث عن "النصر الحاسم" واقترابه من إسقاط حماس في رفح.
ويضيف: "رغم ذلك، مضت الشهور، وتم تدمير رفح، واليوم تُمسح خان يونس، ودخل الجيش الإسرائيلي أحياءً في غزة مثل الزيتون والشجاعية مرات عدة، لكنه لم يحقق الأهداف المعلنة".
ويرى القرا أن نتنياهو يحاول الجمع بين هدفين: إطلاق عملية عسكرية واسعة والإعلان في الوقت نفسه عن قبول اتفاق جزئي، ليقدّم ذلك كإنجاز مزدوج يلبي مطالب اليمين المتطرف ويمنع انهيار حكومته.
لكنه حذر من أن استمرار العمليات العسكرية قد يذهب باتجاه تدمير شامل لمدينة غزة على غرار ما حدث في شمال القطاع وخان يونس ورفح، وهو ما يعكس – برأيه – استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى محو مظاهر الحياة في القطاع ودفع السكان إلى التهجير.
تكتيكات المواجهة العسكرية
إلى جانب ذلك لا يبدو ان حماس تراجعت عن تكتيكاتها العسكرية في مقاومة التقدم الإسرائيلي وفق سياسة الأرض المحروقة، حيث تلعب شبكة انفاقها دوراً فعالّاً في إيقاع خسائر بصفوف القوات الإسرائيلية.
يقول القرا: إن الجناح العسكري لحماس لا يزال يتعامل بأساليب متنوعة ومرنة، مشيرًا إلى أن الحركة استطاعت خلال الأيام الأخيرة إيقاع خسائر مباشرة في صفوف الجيش الإسرائيلي في مناطق مثل الزيتون وخان يونس.
ويوضح أن كتائب القسام طورت تكتيكاتها وانتقلت إلى أسلوب "المجموعات العنقودية"، ما مكنها من إدارة المواجهات الميدانية وجهًا لوجه في مناطق التوغل، إلى جانب تنفيذ عمليات نوعية مركّزة تستهدف إلحاق خسائر أكبر بالقوات الإسرائيلية.
ويخلص المحلل السياسي الفلسطيني إلى أن نتنياهو ماضٍ بالخطة العسكرية المطروحة لاحتلال غزة رغم الخسائر المتوقعة والتي يحذر منها خبراء الجيش الإسرائيلي، بينما تحاول حماس من طرفها تقديم مرونة سياسية بالتفاوض بالتوازي مع الحفاظ على البنية العسكرية على الأرض التي تلقّت ضربات موجعة بعد مقتل قادة الصف الأول فيها وآخرهم السنوار وأبو عبيدة لو صحّت الأنباء حوله.
شاهد أيضاً: