يشهد الجنوب مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، أعقبت تدخلا سعوديا مباشرا بالقوة الجوية، واستهدافا سافرا لمراكز النفوذ العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي. لم تكن هذه التطورات مجرد حدث عابر، بل شكّلت صدمة عميقة في الوعي الجمعي الجنوبي، وأدخلت القضية الجنوبية في طور جديد من الصراع، انتقل فيه المشهد من إدارة تفاهمات هشة إلى محاولة كسر إرادة وإعادة هندسة الواقع بالقوة.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة، موجهة للجمهور العام والنخب السياسية والفكرية، لفهم ما جرى، ولماذا ساد الصمت والإحباط، وما طبيعة الصراع الحالي، وما السيناريوهات المتوقعة، وكيف يمكن استعادة الزخم وبناء خطاب سياسي جامع يحفظ القضية الجنوبية من التفكك أو الانزلاق.
أولا: الصدمة السياسية وحالة الإحباط العامة
1. صدمة القوة وسرعة القرار: لم يكن أثر التدخل السعودي ناتجا فقط عن استخدام الطيران، بل عن سرعة الانتقال إلى أقصى أدوات القوة، وكسر الخطوط الحمراء التي كانت تضبط العلاقة مع المجلس الانتقالي. هذا التحرك المفاجئ أحدث شللا مؤقتا في الشارع الجنوبي، وولّد حالة ذهول عطّلت القدرة على الفعل السريع.
2. فراغ الإشارة القيادية: في اللحظات المفصلية، يحتاج المجتمع إلى إشارات طمأنة وشرح علني. غياب الظهور القيادي العلني، حتى وإن كانت القيادة تعمل في الخفاء، خلق فراغا نفسيا، وأسهم في إضعاف الحركة الجماهيرية الرافضة، لا قبولا بالأمر الواقع، بل انتظارا لإشارة مفقودة.
3. الكبح الذاتي والخشية من الاستدراج: سادت قناعة واسعة بأن أي رد ميداني متسرع قد يُستخدم ذريعة لسحق شامل، وأن المواجهة المفتوحة مع تفوق جوي كاسح ستكون عالية الكلفة إنسانيا وسياسيا. هذا الإدراك أنتج كبحا ذاتيا جماعيا فُسّر خطأ على أنه ضعف، بينما هو في جوهره حساب عقلاني للكلفة.
4. تراكم الإحباط التاريخي: جاءت التطورات فوق تراكم طويل من الخيبات والوعود غير المكتملة. الضربة الأخيرة أصابت الثقة أكثر مما أصابت القدرة، وهو ما يفسر عمق الإحباط وحدة الصدمة.
ثانيا: موقع عيدروس الزبيدي وصمت الغموض
تضارب الروايات حول مكان عيدروس الزبيدي (عدن، الضالع، أو خارج البلاد) لا يمثل تفصيلا ثانويا، بل جزءا من إدارة الصراع. فالصمت والغموض هنا أداتان سياسيتان محسوبتان:
النفي العلني يفرض التزامات أمنية وسياسية على الجهة التي يتواجد فيها. اتهام السعودية للإمارات يهدف إلى الضغط السياسي أكثر من إثبات الموقع.
نفي إماراتي صريح يعني الدخول في مواجهة مباشرة مع الرياض. الغموض يمنح هامش مناورة ويمنع تثبيت رواية واحدة قابلة للاستثمار.
الصمت في هذه المرحلة لا يعني الغياب، بل إدارة المعركة من خارج دائرة الاستهداف المباشر.
ثالثا: خريطة مراكز القوة داخل المجلس الانتقالي
1. الدائرة العسكرية–النضالية: تتمركز في الضالع وردفان وأجزاء من لحج وأبين، وتضم قيادات ألوية ومقاومة تاريخية. هذه الدائرة ترى الصراع وجوديا، ولا تتحرك بالقرار السياسي وحده، وتشكل العائق الأكبر أمام أي محاولة كسر قسري.
2. القيادة الوسطى (العمود الفقري): تشمل قيادات ميدانية وتنظيمية تمسك الأرض والإدارة اليومية. هذه الدائرة هي ساحة الصراع الحقيقية، لأن تماسكها يعني الاستمرار، وانقسامها يعني التفكك البطيء دون ضجيج.
3. الدائرة السياسية البراغماتية: تضم شخصيات منخرطة في الحوار والعلاقات الإقليمية، تميل للتسويات وتخشى القطيعة مع الرياض، وتمثل المدخل الرئيسي للتأثير الخارجي.
4. الدائرة الشعبية الرمزية: الشارع والرموز والخطاب العام. لا تملك قرارا تنظيميا مباشرا، لكنها تمنح الشرعية أو تسحبها، وهي الفيصل في أي معادلة مستقبلية.
5. العامل الخارجي: ويتمثل أساسا في الدور الإماراتي، بوصفه ضامنا وموازنا غير معلن، يسعى لتجنب الصدام مع السعودية دون التفريط بنفوذه في الجنوب.
رابعا: من مشروع سياسي إلى مكون إداري: المشروع السياسي يمتلك رؤية وسقفا وقدرة على التفاوض من موقع قوة. أما المكون الإداري فهو جسم مشارك في لجان ومؤسسات، دون قرار سيادي أو قدرة تعطيل. جوهر الصراع الحالي هو محاولة تحويل المجلس الانتقالي من حامل قضية إلى شريك منزوع الأنياب.
خامسا: مخاطر كسر الانتقالي وإعادة تركيبه
انفجار القاعدة الشعبية الرافضة للإقصاء. تفلت أمني ناتج عن فقدان الشرعية. تحول الضالع وردفان إلى مراكز ثقل معارضة خارج السيطرة.
إضعاف أي تسوية مستقبلية لغياب ممثل حقيقي. إعادة التركيب القسري تنتج جسما هشا، لا قيادة مستقرة.
سادسا: لماذا أصبح الزبيدي رمزا يصعب ضبطه
جمع الزبيدي بين ثلاث شرعيات: نضالية، شعبية، وعسكرية. هذه التركيبة تجعل التحكم فيه أو استبداله عملية عالية الكلفة، لأنه لم يعد مجرد رئيس كيان سياسي، بل رمز مرتبط بالهوية والذاكرة النضالية.
سابعا: القيادة البديلة ومعضلة المواصفات
السعي لبديل يركز على شخصية أقل رمزية، محدودة الكاريزما، وتعتمد سياسيا على الرياض. غير أن هذا النموذج ينتج قيادة إدارية تفتقد العمق الشعبي والقدرة على الضبط.
ثامنا: الانقسام الجنوبي وسيناريو الانقسام المنضبط
الانقسام المنضبط يعني شطر المجلس الانتقالي إلى جناحين: أحدهما مقبول خارجيا، والآخر محاصر. يهدف هذا السيناريو إلى إضعاف الطرف الأقوى دون تفجير شامل، لكنه غالبا يفشل لأن الجنوب ليس حزبا سياسيا تقليديا، والسلاح والشرعية خارج السيطرة الكاملة.
تاسعا: خريطة السيناريوهات حسب المحافظات
عدن: هدوء أمني قسري قابل للانفجار. الضالع: تماسك وصبر استراتيجي. ردفان: تصلب ورفض للإقصاء.
أبين: ساحة استنزاف قابلة للاختراق. شبوة: تثبيت نفوذ حذر. حضرموت: مراقبة وانتظار دون اندفاع. المهرة: صمت حذر وموقف مؤجل.
عاشرا: من الصراع السياسي إلى التحول الأمني
التحول الأمني لا يعني حربا شاملة، بل انتقال الصراع إلى مستوى احتكاكات موضعية، وتسييس للأمن، وتآكل الخط الفاصل بين السياسي والعسكري. خطورته أنه صراع بلا عنوان واضح ولا سقف زمني.
حادي عشر: ماذا لو استمر الصمت؟
صمت تكتيكي منظم: امتصاص الضربة والتحضير السياسي. صمت طويل بلا فعل: تآكل الشرعية وتسليم الأمر الواقع. انفجار متأخر: غضب بلا قيادة يقود إلى فوضى.
ثاني عشر: كسر الإحباط واستعادة الزخم
كسر الإحباط يبدأ بإعادة المعنى لما جرى بوصفه مرحلة ضغط لا هزيمة، وشرح الصمت للناس، وإشراك المجتمع في الصمود السياسي. الزخم يُستعاد بخطاب واضح، وحضور رمزي مستمر، وإعادة تعريف النصر بمنع فرض واقع نهائي.
ثالث عشر: الخطاب السياسي الجامع للمرحلة القادمة
يرتكز الخطاب المطلوب على:
القضية قبل الأشخاص، رفض التدخل العسكري دون تحويله إلى عداء شامل، الجنوب مع التسوية لا الإلغاء، لغة هادئة واثقة تشرح ولا تصرخ.
خاتمة: ما يجري في الجنوب ليس نهاية مشروع ولا سقوط قضية، بل لحظة اختبار قاسية للوعي والإرادة. القوة قد تفرض واقعا مؤقتا، لكنها لا تصنع شرعية دائمة. والهدوء لا يعني القبول، كما أن الصمت ليس بالضرورة هزيمة. المرحلة الحالية هي مرحلة منع الانهيار وبناء شروط الصمود، إلى أن تتغير موازين الفعل .
