في آب 2025، كان عمر أحمد (اسم مستعار) يطوي آخر أيامه في القاهرة، ورتّب أثاثه، جهّز أجهزته الإلكترونية، سلّمها لشركة شحن وعدته بأن تصل إلى دمشق خلال 20 إلى 35 يوماً.
بدا كل شيء منظماً، كما لو أن الرحلة بين البلدين مجرد مسافة زمنية قصيرة، ثم عاد عمر إلى سوريا، وجهّز منزله لاستقبال الأغراض، وانتظر. مرّ شهر، ثم شهران، ثم أربعة أشهر، ولم يصل شيء.
تحوّل الانتظار إلى قلق، والقلق إلى خوف، والخوف إلى شعور بأن شيئاً ما أكبر من “تأخير لوجستي” يحدث خلف الكواليس.
قصة عمر ليست استثناءً، فعشرات السوريين الذين غادروا مصر خلال صيف 2025 وجدوا أنفسهم في مواجهة قطاع شحن يعمل في منطقة رمادية، حيث شركات صغيرة بلا رقابة، وعقود غير واضحة، ووعود تتبخر عند أول تماس مع المرفأ.
في هذا التحقيق نتتبع شهاداتهم وقصصهم، ورأي القانون بما جرى معهم، ورواية الشركات، لنكشف كيف تحوّل الشحن البحري من خدمة لوجستية إلى معاناة إنسانية واقتصادية مع عشرات السوريين.
اقرا المزيد
ما الذي يجب أن يعرفه الفرد قبل التعامل مع العملات الرقمية.. وما أفضلها للاستثمار وجني الأموال!؟
منذ 4 سنوات
قصص الضحايا - انتظار طويل وقلق أكبر
يقول عمر أحمد: “أغراضنا شُحنت باسم شخص واحد… ويمكنه أخذها كلها”.
كان عمر يظن أن شحن أغراضه من مصر إلى سوريا خطوة بسيطة، حيث دفع ثمن الشحن، ووقّع على ما ظنه عقداً، وسلّم ممتلكاته لشركة “الفنار للشحن الدولي”. كانت قيمة الأغراض نحو ثمانية آلاف دولار، معظمها أجهزة إلكترونية وأثاث منزلي، ولم يخطر بباله أن هذه الخطوة ستتحول إلى أشهر من الملاحقة والبحث عن إجابات.
بعد أسابيع من الصمت، بدأت الشركة تبرّر التأخير، فمرة تقول إن المشكلة من شركة أخرى تُدعى “سبيد”، ومرة تتحدث عن رسوم جديدة في مرفأ اللاذقية، ومرة تطلب من المتضررين دفع مبالغ إضافية لإدخال الحاويات.
بدا الأمر كأنه سلسلة من الأعذار التي لا تنتهي، ثم اكتشف عمر وأصدقاؤه أن الحاوية التي تضم أغراضهم شُحنت باسم شخص واحد، وليس باسم الشركة، وهذا الشخص، وفق القانون، يستطيع دفع الرسوم واستلام كل شيء، ولم يكن ذلك مجرد خطأ إداري، بل ثغرة خطيرة تفتح الباب أمام احتمال ضياع ممتلكاتهم بالكامل.
زاد القلق حين علموا أن مخزن شركة الفنار في مصر مغلق، وأن صاحب شركة “سبيد” سُجن بقضايا بينها “الاحتيال”، ثم خرج من السجن “بطريقة غامضة”.
يقول عمر: “نحن خائفون من ألا تصل أغراضنا، وأن يضع أحدهم يده على الحاوية. كل شيء وارد”.

يقول يوسف أحمد: “شحنّا مع الفنار… وانتظرنا شهراً بلا نتيجة، بينما شحنة أخرى وصلت خلال 10 أيام”
يوسف أحمد يقدّم رواية تكشف البنية الداخلية لقطاع الشحن، ويقول إن شركتي “الفنار” و“سبيد كارغو” ليستا سوى واجهات دورهما يقتصر على جمع الطرود ووضعها في حاوية، ثم شحنها عبر شركات بحرية كبيرة مثل CMA وSydraK وهذه الشركات تشحن الحاويات كاملة، ولا تتدخل في محتواها، ولا تعرف شيئاً عن أصحابها.
يقول يوسف إنه شحن مع الفنار، وسافر إلى سوريا، وانتظر شهراً كاملاً بلا نتيجة. في الوقت نفسه، شحن أغراضاً أخرى مع شركة مختلفة فوصلت خلال عشرة أيام فقط. بالنسبة له، المشكلة ليست في البحر ولا في المرافئ، بل في الشركات الصغيرة التي تعمل كوسطاء بلا رقابة.
يشير يوسف إلى أن إحدى الحاويتين التي تخص المتضررين أُعيدت إلى مصر لإعادة شحنها، بينما الثانية عالقة في اللاذقية، تتراكم عليها رسوم يومية قد تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، ويضيف: “هناك أشخاص شحنوا أثاث منازلهم بالكامل، وهم الآن حرفياً جالسين على البلاط”.

متضرر ثالث: “لا أعرف أين ذهبت أغراضي”
في 18 آب 2025، شحن رجل آخر أغراضه عبر إحدى الشركات الأخرى ودفع 17 ألف جنيه مصري، ووعدوه بأن تصل خلال 15 يوماً، لكنه اليوم لا يعرف أين ذهبت شحنته، ولا أحد يجيب، ولا أحد يملك معلومة واضحة.
قصته قصيرة، لكنها تكشف حجم الفوضى، فهناك من لا يعرف حتى أين تبدأ المشكلة وأين تنتهي.

شيماء: “استلمت أغراضي… لكنها وصلت مكسّرة”
على الطرف الآخر، هناك من استلم شحنته، لكن بحالة سيئة، تقول شيماء إنها استلمت أغراضها في الوقت المحدد، لكنها وصلت مكسّرة. "الخشب مهشم، الزجاج مكسور، والأدوات المنزلية تبدو كما لو أنها رُميت داخل الحاوية". هذه الشهادة تكشف أن المشكلة ليست فقط في التأخير، بل أيضاً في سوء التعامل مع الأثاث.
رواية الشركة — وعود جديدة وتبريرات قديمة
عند التواصل مع شركة “الفنار” على أننا زبون جديد يريد شحن أغراضه من مصر إلى سوريا، بدت الصورة مختلفة تماماً عن روايات المتضررين، وتحدث الموظف بثقة عن الأسعار، وعن جودة التغليف، وعن التأمين، وعن العقود الرسمية.
وقال: إن الشحن يتم بالمتر المربع، وإن السعر يبدأ من 4500 جنيه، وإن الشركة تمنح عقداً رسمياً وبوليصة تأمين “ليست كبقية الشركات”.
حين سألناه عن ضمان عدم التلف، أكد أن التغليف يتم أمام الزبون، وأن الأغراض تصل “كما هي”، وحين سألناه عن مدة الوصول، قال إنها 15 يوماً. لكن عندما طلبنا منه تأكيد أن هذا الموعد نهائي ولا مجال للتأخير، لم يجب، كان الصمت هنا أكثر دلالة من أي إجابة.
اعترف الموظف بوجود مشاكل في شحنات شهري يوليو وأغسطس من العام الماضين وقال إن "الشركة كانت تشحن مع شركة أخرى ووقعت مشاكل في الشحن البحري"، لكنه أكد أن الأمور الآن “أفضل”، لأنهم أصبحوا يشحنون “برياً” وليس بحرياً.
بدا الاعتراف جزئياً، كما لو أن الشركة تريد الاعتراف بالمشكلة دون الاعتراف بمسؤوليتها عنها.
أين ذهبت الشحنات؟
من خلال الشهادات، يتضح أن جزءاً من الشحنات وصل إلى مرفأ اللاذقية، لكنه بقي هناك بسبب الرسوم المتراكمة، والدولة السورية تحملت جزءاً من هذه الرسوم، وجرى تسليم ست حاويات كانت متوقفة، لكن المفاجأة أن أغراض المتضررين لم تكن ضمن هذه الحاويات.
إحدى الحاويات التي تخص المتضررين أُعيدت إلى مصر لإعادة شحنها بحسب رواية أحد المتضررين، وأخرى ما تزال عالقة في المرفأ، تتراكم عليها رسوم يومية، وبعض الحاويات شُحنت باسم أفراد وليس باسم الشركات، ما يفتح الباب أمام احتمال الاستيلاء عليها، ولا أحد يملك إجابة نهائية، لا الشركات، ولا المرافئ، ولا حتى المتضررون أنفسهم.

الإطار القانوني — مسؤوليات معلّقة مثل الشحنات
في قلب هذه الفوضى، يقف القانون كمرجع نظري واضح، لكنه يبدو بعيداً عن التطبيق العملي.
يشرح المحامي السوري عادل خليان أن ما يجري ليس مجرد “تأخير لوجستي”، بل سلسلة من الإخلالات التعاقدية التي يمكن أن تُحمّل شركات الشحن مسؤوليات مباشرة.
يبدأ خليان من الأساس: "عقد الشحن البحري ليس اتفاقاً عابراً، بل عقد ملزم للجانبين، يلتزم فيه الناقل بنقل البضاعة وتسليمها في المكان والزمان المتفق عليهما مقابل أجر محدد. هذا العقد يُصنّف ضمن عقود النقل الدولي، ويخضع لمجموعة من القواعد وهي: ما ورد في العقد نفسه، والقانون الذي اتفق الطرفان على تطبيقه، والقواعد العامة في المسؤولية العقدية، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية والأعراف البحرية".
يؤكد خليان أن عنصر الزمن ليس تفصيلاً ثانوياً، بل التزاماً تعاقدياً أساسياً، والتأخير غير المبرر، أو التأخير الذي يتجاوز المدة المعقولة بحسب طبيعة النقل، يُعد إخلالاً يوجب مسؤولية الناقل متى ترتب عليه ضرر.
وفي حالة المتضررين الذين انتظروا أربعة أشهر وأكثر، يصبح التأخير هنا ليس مجرد إخلال، بل ضرراً مادياً ومعنوياً واضحاً، خصوصاً أن بعضهم عاد إلى سوريا بلا أثاث، واضطر لشراء بدائل مؤقتة رغم ضيق الحال.
أما عن حالة التلف والكسر، فيوضح خليان أن الناقل ملزم بالمحافظة على البضاعة أثناء وجودها في عهدته، وبذل العناية اللازمة للحيلولة دون هلاكها أو تلفها، ولا يُعفى الناقل من المسؤولية إلا إذا أثبت وجود سبب أجنبي لا يد له فيه.
ما حدث مع شيماء، التي استلمت أغراضاً مكسّرة رغم وعود الشركة بأن “التغليف يتم أمام الزبون”، يدخل مباشرة ضمن مسؤولية الناقل، ويمنحها حق المطالبة بالتعويض.
ويشير خليان إلى أن الشفافية في الرسوم والتكاليف جزء لا يتجزأ من التزامات الناقل، وأجور الشحن، ورسوم التخليص الجمركي، وأجور التخزين والمناولة، كلها يجب أن تكون واضحة ومذكورة صراحة في العقد، كما لا يجوز تحميل الشاحن أي تكاليف إضافية لم يُنص عليها أو لم يُخطر بها مسبقاً.
ما حدث مع عمر، حين طُلب منه دفع رسوم إضافية لإدخال الحاوية رغم أن ذلك “خارج العقد”، يُعد مخالفة قانونية صريحة، ويكشف محاولة لتحميل المتعاقدين تكاليف لم يوافقوا عليها.
ويذهب خليان أبعد من ذلك، حين يتحدث عن استغلال بعض شركات الشحن لجهل المتعاقدين، ويقول: إن بعض الشركات تلجأ إلى إدراج بنود إعفاء أو تحديد مسؤولية في عقود إذعان، أو استخدام شروط مطبوعة غير واضحة، أو الامتناع عن تسليم نسخة من العقد، أو الإيهام بأن السعر شامل لكل الرسوم ثم ترك المتعاقد يواجه الإجراءات الجمركية وحده.
هذه الممارسات، كما يوضح، لا تكون دائماً نافذة، إذ يمكن للمحاكم إبطالها أو تقييدها إذا ثبت تعسف الناقل أو مخالفتها للنظام العام أو عدم علم المتعاقد بها علماً حقيقياً، وفي حالة المتضررين، يبدو أن معظمهم لم يحصل على نسخة من العقد، وبعضهم اكتشف أن الحاوية شُحنت باسم شخص واحد، ما يجعل العلاقة التعاقدية نفسها موضع شك.

هل يمكن المطالبة بتعويض عن الضرر؟
أما عن حق المطالبة بالتعويض، فيوضح خليان أن الشاحن أو المرسل إليه أو حامل سند الشحن يحق له المطالبة بالتعويض عن قيمة البضائع التالفة أو المفقودة، وعن الأضرار الناجمة عن التأخير، وعن الرسوم والغرامات التي ترتبت بسبب خطأ الناقل.
كما يشترط لقيام المسؤولية وجود علاقة تعاقدية، وتحقق الضرر، ووجود رابطة سببية بين خطأ الناقل والضرر، وفي هذه القضية، الضرر واضح، والسببية واضحة، لكن العلاقة التعاقدية نفسها مشوشة بسبب غياب العقود أو عدم وضوحها.
ويصل خليان إلى نقطة حساسة وهي الاختصاص القضائي، ويوضح أن منازعات الشحن البحري يمكن أن تُرفع أمام القضاء المصري أو السوري، بحسب مكان إبرام العقد أو مكان تسليم البضاعة أو وقوع الضرر أو موطن الناقل، كما يمكن أيضاً الاتفاق على التحكيم، لكن مع مراعاة خصوصية عقد النقل البحري.
وهذا يعني أن المتضررين ليسوا بلا خيارات، لكن الخيارات معقدة، خصوصاً حين تكون الشركات غير متعاونة، أو حين تكون الحاويات شُحنت باسم أفراد، أو حين يكون صاحب الشركة قد “اختفى” أو خرج من السجن “بطريقة غامضة”.
في النهاية، يقدّم رأي خليان صورة قانونية واضحة: ما حدث ليس مجرد سوء حظ، بل سلسلة من الإخلالات التي يمكن أن تُحمّل الشركات مسؤوليات مباشرة، لكن تطبيق هذه المسؤوليات يحتاج إلى عقود واضحة، وإثباتات، وإجراءات قانونية قد تكون طويلة ومكلفة، وفي ظل غياب الرقابة، يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، ويصبح القانون نصاً نظرياً أكثر منه حماية فعلية.

ثغرات في قطاع الشحن — من المسؤول؟
تكشف هذه القضية أن قطاع الشحن بين مصر وسوريا يعمل في مساحة رمادية. حيث هناك شركات صغيرة تعمل كوسطاء بلا رقابة، وعقود غير واضحة، وتضارب روايات بين الشركات، وغياب رقابة حكومية فعالة، ومستهلكون لا يعرفون حقوقهم.
في النهاية، يدفع الزبائن الثمن من خلال أشهر من الانتظار، وخسائر مالية، وقلق يومي على ممتلكات قد لا تعود.
بين البحر والحدود… ضاعت الشحنات وضاعت الثقة
ما حدث في صيف 2025 ليس حادثاً عابراً بل نموذجاً لقطاع كامل يعمل بلا قواعد واضحة، وبلا حماية للمستهلك، وبلا مساءلة حقيقية، فعمر ويوسف وشيماء والمتضررون الآخرون ليسوا مجرد قصص فردية، بل ضحايا فراغ قانوني وفوضى لوجستية وشركات تتبادل الاتهامات بينما تتراكم الخسائر على من لا يملك سوى الانتظار.
ويبقى السؤال معلّقاً مثل الشحنات: هل ستُحلّ هذه القضية؟ ومن يحاسب ويعوّض المتضررين؟ ومن يضمن ألا تتكرر هذه الفوضى؟
إعداد: جهاد عبد الله - غنى برشة - وكالة ستيب نيوز