مع استمرار الحرب السودانية للعام الثالث على التوالي، دخل الصراع مرحلة أكثر تعقيداً بعد الكشف عن تقرير استقصائي لصحيفة "نيويورك تايمز" تحدث عن وجود قاعدة جوية مصرية سرية في منطقة "شرق العوينات" تُستخدم لتشغيل طائرات مسيّرة تركية من طراز "أكنجي" لصالح الجيش السوداني، في عمليات قصف بعيدة المدى داخل الأراضي السودانية.
التقرير أثار أسئلة خطيرة حول حدود التدخل الخارجي، ومستوى تورط كل من مصر وتركيا في الصراع، واحتمالات تحول السودان إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة، وللوقوف على أبعاد هذا التطور، تحدثت وكالة ستيب نيوز إلى خبيرين سودانيين قدّما قراءتين متباينتين للمشهد، لكنهما اتفقا على خطورة المرحلة الراهنة.
اعتراف ضمني بالعجز الجوي
يرى محمد موسى وداعة الله، رئيس جبهة النضال الشعبي السوداني، أن اختيار قاعدة "شرق العوينات" ليس تفصيلاً تقنياً، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة.
اقرا المزيد
يقول وداعة الله لـ "ستيب نيوز": “اختيار قاعدة شرق العوينات المصرية، القريبة من المثلث الحدودي السودان ومصر وليبيا، يشير بوضوح إلى أن سلاح الجو التابع للجيش السوداني بات عاجزاً عن العمل من داخل القواعد المحلية التي أصبحت تحت رحمة نيران الدعم السريع. واللجوء لعمق الجوار هو اعتراف ضمني بأن الأجواء السودانية لم تعد آمنة أو كافية لإدارة عمليات نوعية.”
ويضيف: “انتقال العمليات إلى قاعدة داخل الأراضي المصرية يعني أن القاهرة انتقلت من مرحلة الدعم الدبلوماسي واللوجستي إلى مرحلة الإسناد العملياتي المباشر. وهذا يضع المنطقة أمام سابقة خطيرة، حيث يتم استخدام أراضي دولة جارة كمنصة انطلاق لضرب أطراف داخلية سودانية، مما يعقد فرص أي تسوية سياسية مستقبلية.”
من زاوية أخرى، يقدّم الدكتور محمد تورشين، الخبير في الشؤون الأفريقية، قراءة أقل حدة لكنها لا تنفي خطورة التطور. ويقول لـ"ستيب نيوز": “يبدو أن تقرير نيويورك تايمز يعكس حجم التطورات المتسارعة التي تشهدها الحرب في السودان، بعدما تحولت من شأن داخلي إلى ملف إقليمي ودولي تمس مصالح وأمن عدة دول.”
ويضيف تورشين: "لا أعتقد أن صحيفة بحجم نيويورك تايمز كانت لتنشر مثل هذا التقرير لو لم يكن موثقاً ودقيقاً. فمصر دولة معنية بشكل مباشر بما يجري، ولديها مصالح واضحة."

هل نحن أمام تورط عسكري مباشر؟
السؤال الأكثر حساسية يتمثل في توصيف ما يجري: هل يشكّل تشغيل مسيّرات تركية من الأراضي المصرية تدخلاً عسكرياً مباشراً؟
محمد موسى وداعة الله يجيب بحزم: “إذا ثبت انطلاق المسيرات التركية من أراضٍ مصرية، فنحن أمام عدوان عسكري مكتمل الأركان.”
ويوضح: “قانونياً: هذا انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ويعد خرقاً لسيادة السودان، مما يفتح الباب لملاحقات دولية بتهمة تأجيج الصراع. وسياسياً يعني ذلك سقوط ورقة الحياد المصرية، وتحول القاهرة وأنقرة إلى أطراف في سفك دماء السودانيين، مما يعطي قوات الدعم السريع الحق المشروع في الرد على مصادر التهديد أينما كانت.”
أما الدكتور تورشين فيضع الأمر ضمن منطق عسكري مختلف، فيقول: “وجود قاعدة مسيّرات داخل الأراضي السودانية قد يجعلها عرضة للاستهداف من قبل قوات الدعم السريع، سواء عبر طائرات مسيّرة مضادة أو ضربات من أطراف أخرى تدعم الدعم السريع. لذلك ربما فضّل الجانب المصري نقل القاعدة الجوية إلى داخل مصر لتكون أكثر فعالية وأقل عرضة للاستهداف.”
ويضيف أن هذا الخيار يعكس حسابات عسكرية بحتة أكثر من كونه إعلاناً رسمياً عن الانخراط المباشر.
المصالح: نفوذ مقابل أمن قومي
لكن ما الذي يدفع مصر وتركيا تحديداً إلى هذا المستوى من الانخراط؟
يرى وداعة الله أن "المصلحة هنا ليست استقرار السودان، بل التحكم في قراره"، ويشرح ذلك بالقول:"مصر تسعى للحفاظ على مؤسسة عسكرية سودانية تشبه نمطها التقليدي لضمان أمنها المائي وحدودها الجنوبية، وتخشى من صعود قوة شعبية عسكرية لا تخضع للإملاءات التاريخية."
أما تركيا، وفق وداعة الله، فإنها “ترى في دعم الجيش بوابة لاستعادة نفوذها في البحر الأحمر وتجربة سوق السلاح الخاص بمسيراتها، بالإضافة إلى التنافس مع القوى الإقليمية الأخرى على موطئ قدم في القرن الأفريقي.”
من جهته، يقدّم تورشين قراءة أخرى للمصالح المتشابكة، فيقول: “تركيا تسعى بشكل مباشر لتعزيز حضورها في القرن الإفريقي، وقد حافظت على علاقات جيدة مع النظام السابق في السودان. كما أن لديها مصالح اقتصادية متنامية، خاصة بعد أن أصبحت تنتج الكثير من احتياجات السوق السوداني، بما في ذلك المعدات العسكرية.”
ويضيف: “وجدت تركيا في السودان منفذاً مهماً نحو البحر الأحمر، خصوصاً بعد مساعيها السابقة للحصول على موطئ قدم في مدينة سواكن.”
أما مصر، وفق تورشين، فتنظر إلى السودان باعتباره "عمقاً استراتيجياً وسوقاً مشتركاً ومصدراً للمواد الخام، إضافة إلى كونه بوابة اقتصادية وأمنية مهمة."

هل يطيل الدعم الخارجي أمد الحرب؟
يتفق الخبيران على أن التدخل الخارجي كان عاملاً حاسماً في استمرار النزاع.
يقول وداعة الله بلهجة حادة: “هذا الدعم هو السبب الرئيسي في استمرار نزيف الدم. لولا التدخلات الخارجية، لكانت قوات الدعم السريع قد حسمت المعركة لصالح التحول الديمقراطي منذ أمد بعيد.”
ويعتبر أن “السودان تحول بالفعل إلى ساحة حرب بالوكالة؛ حيث تضخ دول إقليمية السلاح المتطور لإنقاذ جيش منهار.”
أما تورشين فيتحدث بلغة أكثر دبلوماسية لكنه يصل إلى النتيجة ذاتها ويقول: “لا شك أن الدعم الخارجي أطال أمد الحرب في السودان، فالدعم الخارجي سهّل وصول الأسلحة والتكنولوجيا المتطورة والمقاتلين الأجانب.”
ويضيف: "إيقاف الحرب مرتبط بشكل مباشر بوقف الدعم الخارجي، وهو أمر فشل فيه المجتمع الدولي حتى الآن."
تأثير محدود عسكرياً… وخطير سياسياً
حول تأثير المسيرات على موازين القوى، يعتقد وداعة الله أن نتائجها الميدانية محدودة: “المسيرات قد تحقق انتصارات دعائية أو تدمّر بعض الأهداف، لكنها لن تحسم حرب المدن. الحسم في السودان يتم على الأرض.”
لكنه يصف أثرها الإنساني بأنه “إجرامي من ناحية زيادة الخسائر في صفوف المدنيين والبنية التحتية.”
في المقابل، يرى تورشين أن اللجوء إلى قواعد خارج السودان يعكس مخاوف حقيقية لدى داعمي الجيش من قدرة الدعم السريع على استهداف أي منصة داخلية، ما يمنح هذه المسيرات هامش حركة أوسع لكنه لا يغيّر طبيعة الحرب جذرياً.
المجتمع الدولي أمام اختبار جديد
التطور الأخير، وفق وداعة الله، يرسل رسالة واضحة إلى العالم: “هناك أطراف إقليمية تبيع دماء السودانيين من أجل عقود السلاح ومصالح النفوذ.”
ويتوقع أن يؤدي ذلك إلى “ضغوط دبلوماسية مكثفة، وقد يسرع من وتيرة التحقيقات الأممية بشأن انتهاك قرارات حظر تسليح أطراف الصراع.”
أما تورشين فيرى أن تعدد الأطراف المتدخلة يجعل الحل أكثر صعوبة، ويقول: "هذا التعقيد يقلل من فعالية المجتمع الدولي في إيجاد حلول، لأن الدول المتدخلة تحاول حماية مصالحها عبر التأثير على المنظومات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي، أو الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن."
حرب سودانية أم صراع إقليمي؟
ما كشفه تقرير "نيويورك تايمز" أعاد طرح السؤال الجوهري هل ما يجري في السودان ما زال حرباً داخلية، أم أنه تحوّل إلى صراع إقليمي مفتوح تُستخدم فيه الأراضي المجاورة ومنظومات السلاح المتقدمة لخدمة أجندات تتجاوز الحدود؟
ويؤكد الخبيران حجم الانقسام في المشهد، لكنهما يتفقان على حقيقة واحدة وهي أن السودان بات ساحة تقاطع مصالح إقليمية معقدة، وأن كل يوم يمر مع استمرار تدفق السلاح الخارجي يبتعد أكثر عن أي أفق لتسوية سياسية حقيقية.
وبينما تتصاعد أصوات الطائرات المسيّرة فوق المدن السودانية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يدفع الثمن الأكبر في هذه الحرب؟ والإجابة معروفة سلفاً وهو الشعب السوداني وحده.