في تطور لافت ومفصلي ضمن مسار التصعيد العسكري الدائر أعلنت طهران رسمياً إدخال ما يُوصف بـ "درة التاج" في منظومتها الصاروخية وهو صاروخ "سجيل" الباليستي واستخدامه للمرة الأولى لضرب أهداف داخل إسرائيل.
هذا الإعلان لا يمثل مجرد تصعيد روتيني في بنك الأهداف أو تنويعاً في مصادر النيران بل يطرح تساؤلاً جوهرياً ومُلحاً في أروقة التحليل الاستراتيجي: لماذا تقرر إيران الزج بورقتها الصاروخية الأهم في هذا التوقيت تحديداً؟
لفهم الأبعاد التكتيكية لهذا القرار يجب النظر في الخصائص التقنية لصاروخ "سجيل". سواء كان المُستخدم هو الجيل الأول (سجيل-1) الذي ظهر عام 2008 أو نسخته المطورة (سجيل-2) التي اختُبرت في 2009 فإن الميزة الحاسمة تكمن في اعتماده الكلي على "الوقود الصلب". هذا يمثل تحولاً جذرياً عن صواريخ الوقود السائل التي هيمنت على الضربات الإيرانية منذ بداية الحرب.
بمدى تشغيلي يصل إلى 2500 كيلومتر وقدرة على حمل رأس حربي يزن طناً كاملاً من المتفجرات يُعد "سجيل" سلاحاً فتاكاً وعالي التدمير لكن قيمته الحقيقية اليوم لا تكمن فقط في قوته الانفجارية بل في سرعة استجابته.
هنا نعود إلى السؤال المحوري: لماذا الآن؟ الإجابة العميقة لا تكمن في الرغبة بتسجيل نقاط إعلامية أو استعراض القوة بقدر ما تكمن في الضرورة الميدانية العاجلة والضاغطة.
الاعتماد على الوقود الصلب يقلص زمن التجهيز والإطلاق إلى نافذة زمنية ضيقة جداً تتراوح بين 15 و30 دقيقة فقط مقارنة بساعات طويلة تتطلبها عملية حقن صواريخ الوقود السائل. هذا الفارق الزمني أصبح حرفياً مسألة بقاء بالنسبة للقوة الصاروخية الإيرانية.
ففي الأيام القليلة الماضية نجحت الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المكثفة في تدمير وتحييد عدد كبير من منصات الإطلاق والبنية التحتية الصاروخية التقليدية. بالتالي باتت عملية إخراج منصة وتعبئتها بالوقود السائل وإطلاقها بمثابة عملية مكشوفة وانتحارية أمام التفوق الجوي والاستخباراتي للتحالف المقابل.
انطلاقاً من هذا الواقع الميداني يمكن قراءة استخدام "سجيل" كخطوة اضطرارية للالتفاف على النقص الحاد في منصات الإطلاق الآمنة. إيرانيًا الهدف هو تحقيق إصابات مؤكدة وموجعة بأقل فترة تعرض ممكنة للاستهداف المضاد. ومع غياب معلومات استخباراتية دقيقة حول حجم الترسانة الإيرانية من هذا الطراز المتطور فمن المؤكد أن استمرار إطلاقها سيُحدث أضراراً بالغة في العمق الإسرائيلي لكنه في الوقت ذاته سيفتح الباب أمام سباق محموم لاصطياد ما تبقى من منصات الإطلاق المتحركة المخصصة لها.
بعيداً عن الدعاية العسكرية المرافقة للحدث فإن الدفع بصواريخ "سجيل" في هذه المرحلة المعقدة يحمل دلالات استراتيجية عميقة فهو يؤكد بشكل غير مباشر تراجع فاعلية وحجم القوة الصاروخية التقليدية لإيران تحت وطأة الضربات المتتالية.
كما أنه يرسل إشارة استشرافية واضحة حول شكل المرحلة القادمة من الصراع فمع الاستنزاف التدريجي لهذه الصواريخ النوعية ومنصاتها قد تجد طهران نفسها مضطرة للتحول الجذري في تكتيكاتها والاعتماد بشكل شبه كلي على أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية رخيصة الثمن في محاولة للحفاظ على وتيرة حرب استنزاف باتت خياراتها الاستراتيجية فيها تضيق يوماً بعد يوم.
