في ذكراها.. من سرق الثورة السورية؟!

في ذكراها.. من سرق الثورة السورية؟! - رأي أحمد الجنيد - وكالة ستيب نيوز

عادة الثورات أنها لا تنتهي بتحقيق هدفها الأكبر وإنما بتحقيق أهدافها كلها دون نقصان ، تلك الأهداف التي تتزايد مع تتابع القمع والظلم والحرمان وتتجسد في مطالبات شعبية لا تتوقف وسرعان ما تتحول لطوفان. 

اليوم وفي ذكراها يخطئ من يظن أن الثورة السورية انتهت بإسقاط الأسد وزمرته فالواقع يقول أن السوريين أسقطوا نظام الأسد بالفعل في أزقة حمص وساحات حماه وديرالزور منذ سنوات. سقط النظام يوم فقد شرعيته الأخلاقية، ويوم تآكلت سيادته حتى صار مجرد واجهة لقوى خارجية تحميه من الانهيار الكلي. وما حدث في الثامن من ديسمبر 2024 كان مشهد الختام الذي آمن السوريين أنه سيحدث طال الزمان أو قصر لكن السؤال المهم اليوم، أين الثورة؟! ماذا تحقق من أهدافها؟! ومن سرق الثورة السورية؟! 

يختلف الكثيرون في جدوء تحديد أهداف الثورة البعض يعرف الثورة بأنها نزول الناس إلى الشارع فيما يذهب فقهاء آخرون إلى تحديد نسبة يقدروها بـ 7% عندما ينزلون فتلك ثورة وآخرون يقولون 10% لكن المؤكد أن الثورة هي نزول الناس للشارع واتفاقهم على الأقل على مطلب واحد وفي الحالة السورية كانت النسبة حاضرة والمطلب حاضر وهو إسقاط النظام، هذا ما كان يحدث في العام 2011 لكن ما حدث بعد ذلك وسع المطالب التي أصبحت أهداف.

القتل.. الاعتقال.. تدمير المنازل.. نهب ثروات الشعب.. تهجير الملايين.. والاختفاء القسري لمئات الآلاف كلها أفعال قام بها النظام جلبت معها عشرات الأهداف يجب أن تتحقق عقب انتصار الثورة مثل تحقيق العدالة الانتقالية والاقتصاص للضحايا وجبر الضرر لمن تضرروا على يد النظام وميليشياته وداعميه وتحقيق تعددية سياسية وحريات عامة وغيرها الكثير لو أردنا أن نكتبها في قائمة لطالت لكن المهم أين هي تلك الأهداف اليوم. 

في دمشق وعقب أيام من سقوط الأسد قال أحمد الشرع الذي كان يشغل منصب القائد العام لإدارة العمليات العسكرية "انتهت الثورة وجاء زمن الدولة" لكن الحقيقة أن الثورة لا تنتهي بإعلان من منتصر أو من طرف في داخلها وإنما تنتهي بإعلان تحقيق أهدافها تباعاً ، فالثورة سياق حقوقي طويل وليس مجرد عملية عسكرية ، نعم لا تصلح عقلية الثورة لإدارة الدولة لكن أيضاً لا تصلح عقلية "عفا الله عما مضى" لإدارة عشرات السنوات من الألم والقهر والظلم. 

تقترب الثورة من مرور عام ونصف على انتصارها وهي حتى اللحظة لم تقتص من مجرم ولم تنصف مظلوماً ولم تنهي معاناة نازح في خيمة لماذا؟!.. ليس لأن الثورة تخلت عن أولادها وإنما لأن الثورة خطفت في أوج انتصاراتها وباتت مركب عبور حمل من هم في السلطة اليوم ليصلوا لبر الأمان في كراسي الحكم وعند الوصول مسحت الذاكرة وبقيت الحجة فقط "الثورة" اليوم يعاد تدوير جثة نظام الأسد برجال أعماله ومؤثريه وضباطه ومجرميه بعد أن أسقطهم الشعب السوري كلهم بدمائه. 

يحق للسوريين الاحتفال دائماً بأعظم الثورات التي شهدها العصر الحديث بألمها وقهرها وقوتها لكن أيضاً يحق لهم الدفاع عن مكتسبات الثورة أو بشكل أدق حصد مكتسبات الثورة قبل أن تنسى كأنها لم تكن.

عادة السلطة أنها لا تحب الثورات وتنظر إليها نظرة المشاغب الذي سيبقى يطالبها بالمزيد والمزيد لكن المصيبة أن في سوريا أعلن نهاية الثورة قبل نصرها الكلي وانتهى زمنها بقرار جماعة قفزت من فوق الشرعية الثورية لتصل لكرسي الحكم ، تتبنى علمها وترفع شعاراتها وعندما تطالب بتحقيق أهدافها تقول انتهت الثورة ، سيبقى الشعب السوري ممتناً للثورة التي أعادت له الكرامة والحرية لكنه أن تخلى عنها في أوج انتصارها وبريقها فإنه سيشارك طوعاً لا مجبراً في سرقتها كلها لصالح مشاريع لم تضع الثورة ضمن مرتكزاتها.

الثورة انتصرت وحققت هدفها الأكبر وهو إسقاط نظام الأسد لكنها تسرق اليوم تباعاً أمام أعين كل من شاركوا بها واستعادتها تبدأ من الاعتراف بأننا انتصرنا يوماً وأن استكمال هذا الانتصار يتطلب تطهير الثورة ممن صادروا قرارها وممن أجرموا بحقها لسنين وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: النازح الذي لا يزال في خيمته، والمعتقل الذي لم يُعرف مصيره، والمواطن الذي ينتظر عدالةً لا 'عفواً' يمنحه القاتل لنفسه.

 

ملاحظة|| هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الوكالة

أحمد الجنيد - صحفي سوري
أحمد الجنيد
  صحفي وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية