في المغرب، يحل شهر رمضان كضيف عزيز ينتظره المغاربة بفارغ الصبر، ليحمل معه نفحات إيمانية وتقاليد متجذرة في عمق التاريخ. إنه ليس مجرد شهر للصيام، بل هو لوحة فسيفسائية تجمع بين العبادة والتواصل الاجتماعي والعادات المتوارثة. فمنذ الإعلان عن ثبوت رؤية الهلال، تكتسي المدن والقرى المغربية حلة جديدة، وتستعد الأسر لاستقبال "سيدنا رمضان" كما يطلقون عليه بمحبة وتقدير .
ما يميز الشهر الفضيل في المملكة هو ذلك المزيج الفريد بين الخصوصية المحلية والانتماء للأمة الإسلامية. في السطور التالية، نرصد ثلاث عادات أصيلة تمنح رمضان في المغرب نكهته الخاصة التي لا تخطئها العين.
1. "نافار الزوالقة" وصوت المدفع: إيقاع زمني خاص
من أبرز العلامات الفارقة لرمضان في المدن المغربية القديمة، تلك الأصوات التقليدية التي تؤطر اليوم الرمضاني. فقبل أذان الفجر، كان "الطبال" أو "النفار" يجوب الأزقة الضيقة مرتدياً لباسه التقليدي، حاملاً طبلة أو نايًا، لينبه الصائمين إلى حلول وقت السحور. هذه المهنة التي أوشكت على الاندثار لا تزال حاضرة في بعض المدن العتيقة مثل فاس ومراكش، حيث يتولى النفار مهمة إيقاظ السكان مردداً عبارات دينية وأهازيج شعبية تضفي على السحور طابعاً حميمياً .
أما عند المغرب، فتحل "الرصاصة" التي تطلق من مدفع الإفطار، ليتبعها مباشرة إنذار تحذيري يعرف محلياً بـ "الزوالقة" أو "صفارة الغروب". هذا الصوت الذي يطلق عبر مكبرات الصوت في المدن قبل دقائق من أذان المغرب، يعلن حلول موعد الإفطار في مشهد مهيب تخلو فيه الشوارع من المارة وتعم السكينة . إنها لحظة ينتظرها الصائم بفارغ الصبر، حيث يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة عامرة، ليفتتحوا فطورهم بقول: "اللهم إني صمت لك وعلى رزقك أفطرت" .
2. المائدة المغربية: طقوس "الفطور" بين الحلو والمالح
تعد المائدة الرمضانية المغربية لوحة فنية بامتياز، حيث تتزين بأطباق تجمع بين التقاليد الغذائية والهوية الثقافية. يبدأ الإفطار المغربي كما جرت العادة بتناول التمر والحليب أو اللبن، اقتداءً بالسنة النبوية، لكن سرعان ما تنكشف روائع المطبخ المغربي.
النجم الأول على المائدة هو "الحريرة"، ذلك الحساء التقليدي الذي يجمع بين الطماطم والعدس والحمص واللحم المفروم، بنكهة مميزة من الكزبرة والزعفران. لا تكاد مائدة مغربية تخلو من الحريرة خلال رمضان، فهي تمد الصائم بالطاقة بعد نهار طويل من الصيام .
بعد تناول الحريرة وأداء صلاة المغرب، يعود الجميع لإكمال "الفطور" الذي يضم تشكيلة واسعة من المعجنات كـ"البغرير" و"المسمن" و"السمسمية" و"البريوات". أما الحلويات فتتصدرها "الشباكية" العسلية المقرمشة، التي تقدم عادة مع "السفوف" (خليط من الدقيق المحمص واللوز والسكر) . هذا التنوع جعل سفير الصين في المغرب يصف تجربة الإفطار المغربي بأنها ذات "طقوس احتفالية" تمتد على مرحلتين؛ أولى خفيفة وأخرى رئيسية بعد الصلاة .
3. ليلة السابع والعشرين: عيد الأطفال والصائمين الجدد
تكتسي ليلة السابع والعشرين من رمضان، والتي تصادف غالباً ليلة القدر عند المغاربة، طابعاً استثنائياً يميزها عن سائر ليالي الشهر. في هذه الليلة، تحتفي الأسر المغربية بصغارها الذين يصومون أول مرة، في مشهد أشبه بزفة العرسان .
يُلبس الأطفال، خصوصاً الفتيات، أجمل الملابس التقليدية كالقفطان أو الجلابة أو "التكشيطة"، وتُزين أيديهن بالحناء. يحمل الأطفال في هذه الليلة محفظة صغيرة أو "فنطاس" مملوء بالتمر والمكسرات، ويجلسون على كراسي مزينة كالعرائس، في ليلة تكاد تكون عيداً مصغراً قبل عيد الفطر .
في بعض المناطق، يوضع سلم صغير ليصعد عليه الطفل قبل أن يتناول أول تمرة إيذاناً ببدء رحلة الصيام . كما يحرص الكبار على إخراج الصدقات وزيارة قبور الأموات، إحياءً لهذه الليلة المباركة التي تجمع بين الفرح الروحي والتكافل الاجتماعي . وقد أكدت عالمة الاجتماع المغربية يسرى تفراوتي أن هذه الليلة تتجاوز البعد الديني لتصبح "احتفالاً بالمجتمع والعطاء" .
تظل هذه العادات وغيرها شاهداً على قدرة المغاربة على المزج بين الأصالة والمعاصرة، وبين الروحاني والدنيوي، في شهر هو فرصة سنوية لتجديد أواصر المحبة والتسامح.