الذكرى الـ 15 للثورة: على طريق "سنغافورة".. دولة تُدار بـ "الغميضة" وشعب يتدفأ باستعراض الدساتير!

الذكرى الـ 15 للثورة: على طريق "سنغافورة".. دولة تُدار بـ "الغميضة" وشعب يتدفأ باستعراض الدساتير! - رأي فارس المغربي - وكالة ستيب نيوز

خمسة عشر عاماً مرت على الصرخة الأولى في 2011، وما يقارب العام انقضى منذ "مؤتمر إعلان الانتصار" ... في كانون الأول 2024 سقطت التماثيل، طوينا صفحة، وفتحنا أخرى بإعلان دستوري لنجلس جميعاً في حضرة "المرحلة الانتقالية" تحت إدارة الرئيس أحمد الشرع. نظرياً، نحن نعيش نهضة مؤسساتية وورشة عمل وطنية كبرى، لكن عملياً؟ نحن مجرد كائنات تبحث عن الدفء في العتمة، نراقب حكومة تجتهد ببراعة منقطعة النظير في إدارة "اللاشيء"، وتبيعنا الأمل في أكياس مثقوبة.

كنا، ككل السوريين المنهكين، ننتظر بشغف تلك اللحظة المفصلية لننتقل من عقلية "الفصيل" الضيقة، إلى رحابة "الدولة" ومؤسساتها الوطنية. لكن يبدو أننا فهمنا التحرير خطأ؛ فبدل أن تُبنى مؤسسات وطنية جامعة وورشات إعادة إعمار، اكتشفنا أن البلد تحولت إلى ما يشبه "الشركة العائلية" أو الاستثمار الخاص. صرنا نرى احتكارات ومشاريع وتطبيقات تبتلع السوق وتتمدد، وكأن سوريا مجرد غنيمة يتم تقاسم حصصها على طاولات المحسوبيات.

في دمشق اليوم، تعيش الحكومة حالة من "الدبلوماسية المفرطة"؛ مآدب إفطار رمضانية واستقبال لوفود رفيعة المستوى للتأكيد على مسار "الدولة الجديدة". يحدث هذا في إقليم يغلي؛ صواريخ إيرانية تتطاير، دبابات إسرائيلية تتوغل في قرى القنيطرة، وترامب في واشنطن يخطط للاستيلاء على جزيرة غرينلاند في مشهد عبثي، بينما بوتين يوزع هدن مشروطة في أوكرانيا. وسط حقل الألغام الجيوسياسي هذا، تمارس دمشق المشي على الحبل بمهارة، غير أن المواطن السوري المنهك لا تعنيه غرينلاند ولا السفارات؛ جلّ طموحه الجيوسياسي اليوم لا يتجاوز تأمين أسطوانة غاز منزلي دون أن يفقد نصف عمره في الطوابير.

مؤخراً، تسمرنا أمام الشاشات نتابع لقاء الرئيس الحالي مع نُخب الجتمع. جهزنا أنفسنا لنسمع خطة إنقاذ، أو جدولاً زمنياً ينهي الشلل، أو حتى تبريراً منطقياً يحترم عقولنا. لكن النتيجة كانت جرعة مكثفة من العموميات والتسويف، واكتشفنا أن سياسة إدارة البلد داخلياً تعتمد على مبدأ عجيب: "عنا خطط وأشياء مخباية ما بنقدر نحكيها"! دولة تُدار بعقلية الأسرار ولعبة الغميضة، بينما الشارع يغلي والناس تطحنها الأزمة. نعم، في السياسة الخارجية قد يبدو المشهد براقاً (والبركة طبعاً بجهود الحلفاء)، لكن في الداخل، المسافة بين التنظير على الشاشات والواقع في الحارات باتت تحتاج إلى "فيزا".

الإعلان الدستوري.. ورصيد الـ "صفر مكعب"


حتى "الإعلان الدستوري"، الذي صدعوا رؤوسنا به وسوقوه كأعظم إنجاز قانوني يؤسس للجمهورية الجديدة، تبين أنه مجرد استعراض أنيق. بصراحة، "هاد الشاطرين فيه"؛ أي خطوة بيعملوها بيطلعوا بيقنعونا إنها "أحسن شي بالعالم". بيصدروا قانون معين؟ بيطلع أحسن قانون بالعالم! بيعملوا مذكرة سلوك إعلامي؟ بتصير أحسن مذكرة بالعالم! تحس إنهم فاتحين مزاد على الألقاب والتنظير الورقي، وكأننا نعيش في المدينة الفاضلة، بينما رصيد كل هذه الإنجازات الفعلي على أرض الواقع هو "صفر مكعب". يتحدثون بطلاقة عن العدالة وبناء المؤسسات، وفي نفس الوقت نرى تعيينات لمقربين لا يملكون أي كفاءة سوى الولاء، وتجاهلاً كاملاً لملفات حساسة، بل وتغاضياً مستفزاً عن شخصيات ساهمت في أذية السوريين سابقاً.

"المركزي الفيدرالي".. إبرة التخدير الوطنية
ولأن الاقتصاد هو الوجع الأكبر، اكتشفت العبقرية الإدارية حلاً سحرياً لإسكات بطوننا الخاوية وجيوبنا الممزقة بفعل التضخم: "التخدير المالي الترقبي". ففي كل مرة نصل فيها إلى حافة الانفجار من الغلاء وانعدام فرص العمل، تخرج علينا الماكينات الإعلامية بتسريبات واثقة ومبشرة بأن "حساب سوريا في البنك الفيدرالي الأمريكي جاهز وسيتم تحريكه قريباً!". تخيل روعة المشهد: مواطن يعجز عن شراء ربطة خبز أو لتر مازوت في حمص أو إدلب يُطلب منه أن يبتسم ويشعر بالشبع لأن هناك مليارات الدولارات النائمة في أروقة واشنطن تنتظر إشارة البدء لتهبط علينا كالمطر. إنها الكوميديا السوداء حيث يتغذى الاقتصاد الجزئي الكارثي على أوهام الاقتصاد الكلي الخيالي.

وإذا نزلنا من سحابة الفيدرالي إلى أرض الواقع الخدمي، ستجد أن وزراءنا تحولوا إلى فلاسفة أرقام. يخرج علينا وزير الطاقة ليعلن بثقة عن تنفيذ "23 إجراءً ميدانياً" لتحسين التغذية الكهربائية في ريف دمشق. 23 إجراءً بيروقراطياً دقيقاً، ولجاناً، ودراسات، لم تفلح في إنتاج "أمبير" واحد يضيء غرفة جلوس باردة! وبدلاً من أن يشتم المواطن أو يغضب، بات يصفق ساخراً لهذا الجهد الجبار الذي يهندس الظلام باحتراف.

جرة الغاز.. ودفتر العائلة الذي ابتلعته الحرب
 

أما المأساة الكوميدية الأحدث، فبعد أن تجاوزنا مرحلة "البطاقة الذكية"، تفتقت العبقرية الإدارية عن ربط الحصول على جرة الغاز بـ "دفتر العائلة". قرار يبدو بديهياً للمسؤول الجالس في مكتبه المكيف، لكنه يتجاهل حقيقة مرعبة: نصف السوريين تقريباً لا يملكون أوراقاً ثبوتية بعد سنوات من الجمر والتهجير! صار لزاماً على المواطن أن يدخل في متاهة استخراج "إخراج قيد عائلي"، أو يمارس التحايل اليومي ليتسول جرة غاز من الموزع. وعندما يطفح الكيل وتصل الشكاوى، يأتيك الرد الرسمي البارد والمعلب: "هذه مجرد حالات فردية لموزعين جشعين"! وكأن الأزمة تكمن في أخلاق موزع الحارة، وليست في هندسة الندرة وغياب الرؤية.

أمام هذا الواقع المربك، وحالة "الإرهاق السياسي" بعد عقد ونصف من الدم والدموع، لم يعد السوري يبحث عن صدام مباشر مع بيروقراطية الدولة. لقد وجد ملاذه الآمن في الهروب إلى الأمام. المواطن المحروم من الدفء والكهرباء يشتري باقة إنترنت مكلفة ليتابع بشغف انهيار "ريال مدريد" أمام "برشلونة"، أو يحلل أسباب صعود "أتليتيكو مدريد" في الدوري الإسباني.

لقد استعضنا عن السياسة بكرة القدم الأوروبية، لأننا وجدنا في تلك الملاعب ما نفتقده في حكومتنا الانتقالية: الشفافية، القواعد الواضحة، ونتيجة تُحسم في تسعين دقيقة، بدلاً من وعود الاستثمارات التي لا تأتي، وتسريبات الفيدرالي التي لا تنتهي. نحن نضحك، نسخر، ونهرب إلى "مدريد"، بانتظار معجزة تعيد لنا وطناً لا يكتفي فيه المسؤولون بتوزيع الوعود الاستثمارية والتسويات السياسية.

561426f6-0632-fd1e-5f12-f9c63a33e383.webp
صورة الكاتب فارس المغربي
فارس المغربي
كاتب وصحفي سوري