العلويون وآلة التضليل الأسدية

العلويون وآلة التضليل الأسدية - رأي يزن زريق - وكالة ستيب نيوز

من المعروف أن النظام الأسدي المخلوع كان قد امتلك آلة أمنية هي من أقوى أجهزة الأمن في المنطقة، وأشدها تغولا. آلة أمنية متغولة وتمتد مجساتها إلى أغلب مفاصل البلد والمجتمع. ومن ضمن القطاعات التي كانت خاضعة لسيطرتها بطريقة او بأخرى هي الاعلام. فقد سيطر الامن على الاعلام ووجهه واداره ونظم كوادره وخطط سياسته على كافة الصعد والمستويات.

ومع بداية الثورة السورية في اذار 2011 كان الخيار الأمني واضحا في قمع الثورة ومواجهتها بالحديد والنار. وكان الأمر المحوري هو أن قمع الثورات يتطلب "بيئة حاضنة" من نوع ما مؤيدة للسلطة وقادرة على ربط مصيرها بها.

ولقد وقع اختيار الطغمة الاسدية الحاكمة على الطائفة العلوية لتكون هي هذه الحاضنة بشكل عام ولكن ليس على وجه الحصر. وذلك عبر مجموعة من الأوهام عملت هذه السلطة على ترويجها منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة عبر ماكينة امنية فعالة ممولة ومدربة قادتها المستشارة السيئة الذكر لونا الشبل بالتعاون مع الالة الأمنية وبدعم وغطاء كامل منها.

ماهي هذه الأوهام؟ وما هي حقيقتها

أوهام الماكينة الإعلامية الاسدية الموجهة الى المكون العلوي من الشعب السوري

الوهم الأول: أن هذه الثورة الشعبية التي اندلعت في اذار 2011 هي حراك طائفي مذهبي "سني" الطابع، يستهدف العلويين بالذات والأقليات عموما للقضاء عليها وتهجيرها الخ وأنها ليست سوى امتداد للإرهاب العالمي غايته إقامة حكم الشريعة وانشاء الامارات الإسلامية.

علما أن الثورة السورية لم تكن الا امتدادا شعبيا طبيعيا رائعا لمجمل ثورات الربيع العربي ضد الظلم والطغيان والاستبداد والفقر والذي كان مسيطرا على كل الشعوب العربية وأنظمتها المتخلفة. وهنا طبعا لعب النظام على الغريزة الطائفية للفلاح العلوي مستحضرا لديه موروثا شعبيا وعفويا عمره مئات السنين (بعضه واقعي وبعضه الاخر وهمي) عن تاريخ الاضطهاد والمجازر وسكنى الجبال والتهجير الخ، لتصبح المعادلة الوهمية المطروحة امام العلويين (والتي نجح النظام عبر ماكيناته بترويجها وتعويمها امام الرأي العام العلوي بأغلب فئاته) هي إما أنا أو الهلاك.

الوهم الثاني: العلويون في السلطة.

لقد استطاع النظام السابق ايهام أبناء المناطق ذات الأغلبية العلوية بأنهم بطريقة أو بأخرى شركاء بالسلطة أو المكاسب أو الثروات أو الامتيازات وأنهم خلافا لإخوانهم من السنة أو أبناء بقية الطوائف مستفيدين ومشاركين بالحكم والنظام. ولتنشأ حالة من التماهي الوهمي مع الدولة (نحنا الدولة، الدولة دولتنا، نحنا النظام... الخ) وطبعا هذا ليس الا وهما اخر.

والحقيقة هي أنه وبالرجوع الى التقارير الإنمائية وتقارير الأمم المتحدة والدراسات الإحصائية عن المنطقة قبل 2011 لا نجد أي أثر للتفاوت في حصة الفرد من الدخل القومي أو الناتج الإجمالي المحلي في مناطق اللاذقية وطرطوس أو أي محافظة أخرى. ووفقا لكل التقارير الأممية الجدية نجد أن المؤشرات العامة للفقر (تشمل سنوات التمدرس ووفيات الأطفال ومؤشرات الخدمات العامة من كهرباء ومياه شرب وصرف صحي الخ) متقاربة جدا بين المحافظات كلها مع فروق لا تكاد تذكر ومع تدني واضح لمنطقة شبه الجزيرة المهملة.

فهو وهم اخر تم التوجه به الى أبناء الريف العلوي للتمكن من تعبئتهم لصالح مافيا لا تهتم لا للأديان ولا للطوائف، لا تهتم الا بالسلطة وبالجشع اللامتناهي للمال. والمافيا الاسدية التي كانت تتكون من ثلاث قطاعات رئيسية هي: 1-كبار ملوك المال وأصحاب الشركات -2 كبار رجال الدولة من الحزبيين والوزراء والمدراء -3 كبار الضباط والامنيين والعسكريين.

نجد أنها هذه المافيا عموما فيها وفي قطاعاتها الثلاثة من كل الطوائف والمذاهب ومن كل المناطق والاعراق والأديان، متآلفين معا ومتماسكين معا في نهب الشعب السوري واضطهاده لعقود لا يجمع بينهم الا المصالح القذرة ونهب المليارات في وحدة او منظومة اسدية متكاملة عرابها الأكبر هو الوريث الهارب. وقد التقت مصالح هذه المافيا على تعبئة أبناء الطائفة العلوية للدفاع عنها عبر التسويق والترويج للأوهام السابقة بين أبنائها.

وأما بالنسبة لإحصائيات ما بعد الثورة فقد تدنى مستوى المعيشة في مناطق سلطة النظام والارياف والمدن ذات الأغلبية العلوية الى مستويات مدقعة غير مسبوقة، اذ وصلت معدلات الفقر في مناطق حكمه في عام 2019الى حدود المجاعة والخراب الكامل في منافسة على الصدارة مع اليمن والصومال بوصفها أكثر البلدان العربية سوءا.

حادثة شخصية

ولخلق صورة واضحة عن طبيعة نظام المافيا الاسدية، سأذكر هذه الحادثة الشخصية. ففي أحد ليالي دمشق الباردة في حوالي العام 2020ومع انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من عشرين ساعة خلال اليوم، احتجت لشحن هاتفي الجوال اضطراريا وكنت في ابي رمانة حي الطبقة الفارهة الدمشقية، فاتجهت الى أحد المحارس (وكانت ظاهرة معتادة وجود محارس لحماية الشبيحة وعوائلهم تحت بيوتهم يستخدمونها للخدمة والترهيب والاستعراض) وسألت الحرس الى استخدام كهرباء محرسهم للشحن فأجابوني. وخلال الشحن تحادثنا وعرفت المعلومتين الصادمتين واللتين لهما بالغ الدلالة ويوضحان الفكرة التي أقصدها.

فأولا المحرس كان لخالد قدور الذراع اليمنى لماهر الأسد والفرقة الرابعة السيئة الذكر وهو أحد كبار النهابين في المنظومة الاسدية ومن عرابي ملفات التهريب والكبتاغون واسمه على القوائم الدولية. وأما المعلومة الثانية فهي ان كل الشباب الخمسة او الستة في المحرس هم من الطائفة العلوية ومن قرى ومناطق ذات اغلبية علوية يحرسون في البرد القارص ويخدمون أحد كبار الشبيحة والذي هو من حلب وابن الوزير السابق المقرب من حافظ الأسد ناصر قدور والذي يقطن هو وعائلته فوقهم في قصر وارف مدفئ من قصور حي ابي رمانة الشهير.

علام يدل هذا المشهد؟

لقد استطاعت ماكينة النظام التأثير على الفلاح العلوي لخلق ولاء لديه بالاستناد على مجموعة من الأوهام القذرة والكاذبة ليرسل أبناؤه للدفاع عن مافيا دنيئة لا تمت اليه او الى مصالحه بصلة. مستندة على غريزة طائفية واهية تعود الى القرون الوسطى جندت بفعلها شبان الطائفة لخدمتها والسهر على راحتها على حساب دماء شبابها وفقرها.

المتحري… والتصريح الكاشف

في برنامج المتحري الذي يبث على قناة الجزيرة وفي الحلقة التي بثت في تاريخ 17/1/2026 عن التسريبات بين قادة فلول الاسدية مع ضابط الموساد الوهمي والذي هو في الحقيقة ليس سوى مخترق سيبراني لازال طالبا في الجامعة، يدلي الشبيح السابق مقداد فتيحة بتصريح بالغ الأهمية، اذ يقول للضابط الموسادي بلهجة كلها ذل وصغار أنه وفي مجموعاته رجال من الريف العلوي أكبر منه سنا وعمرا وفي الحقيقة "لا يمكن أن يقبلوا بالتعامل معكم يا سيدي"!

تلك الحقيقة البسيطة وذلك التصريح العفوي من معتوه مسعور يكشف المعدن الحقيقي لأبناء جبال العلويين الذين بعد كل التضليل الذي مرو فيه وكل الخراب والدمار واليأس، والاوهام التي زرعتها الطغمة الاسدية بكل الوسائل في أوساطهم لايزال المعدن الوطني الصلب لأحفاد صالح العلي يبرق فولاذيا لا يلتوي وهو معدن الفلاح السوري العربي الذي يعشق الأرض ولا يخون، ويختلف مع اخواته ويتشاكلون ولكن أمام عدو الامة لا يهون ولا يصافح بل يضع يده بيد اخوته من أبناء بلده ليمضون معا في طريق بناء بلد يليق بهم ويعوض عن ما مرت به بلادهم ومناطقهم من خراب عظيم.

 

ملاحظة|| الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الوكالة.