اتخذت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، منذ بداية سيطرتها على مناطق شرق الفرات، سلسلة من الإجراءات الواسعة، كان الهدف منها فرض سيطرتها على المنطقة، وقد قدمت نفسها على أنها المنقذ من تنظيم داعش الذي نكّل بأهالي المنطقة، والمخلص من شروره، وحاملة لقيم الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
لقد ظهرت قسد منذ البداية بوصفها فصيلًا عسكريًا ذا بنية مليشياوية، مدعومًا من جهات خارجية لها مصالح في الداخل السوري، وهذه التشكيلات، بطبيعتها وبفعل غياب أي رقابة قانونية أو شعبية، لا يمكن أن ينتهي قادتها إلا إلى أن يكونوا "أمراء حرب" في نهاية المطاف.
وأمراء الحرب هم مجموعة من المرتزقة الذين يجدون أنفسهم في مواقع سلطة، بطريقة أو بأخرى، خلال ظروف الحرب البشعة، مدعومين بقوة وتهديد السلاح.
وهذه السلطة، حتى لو كانت محدودة وضيقة في بداياتها، هي وليدة الاقتتال الداخلي والفوضى، وسرعان ما تتحول إلى مراتع للفساد والكسب غير المشروع والابتزاز المالي والإداري والتهريب، وغيرها من مظاهر النهب والإثراء، التي تتزامن وتتناسب طردًا مع مقدار السلطة المكتسبة.
ومع الأخذ بعين الاعتبار أن فوضوية الحرب ووحشيتها وضراوتها كثيرًا ما تفرز في واجهة المشهد، على مستوى المناطق والمدن والقرى والأنحاء، أكثر الأشخاص وحشية وإجرامًا وفسادًا، وعبر أقذر التحالفات، يشكل هؤلاء شبكة من أمراء الحرب تسيطر على البلاد، وتروّع العباد، وتتحكم بمقادير الناس وأرزاقهم.
وقسد واحدة من أبرز الحالات التي أفرزتها الحرب السورية المريرة.
أولًا: اقتسام مصادر التمويل الأجنبي: فكما هو معروف، تقدم الولايات المتحدة الأمريكية وسائر دول التحالف ملايين الدولارات على شكل مساعدات عسكرية ومالية مباشرة، لا تخضع لأي رقابة أو محاسبة، وتُسلَّم إلى القادة العسكريين والسياسيين من الصف الأول في التنظيم، ليتحكموا بها دون قيد أو شرط.
ثانيًا: نهب موارد النفط: فصفقات الفساد الكبرى مرتبطة بأسماء كبار قادة التنظيم، ومنذ عام 2021، كشف "نضال إيبو"، المسؤول المالي المنشق عن الإدارة الذاتية، والذي تلاحقه قسد واعتقلت حينها جميع أفراد عائلته، أن مبيعات قسد الشهرية من نفط الجزيرة تتجاوز 120 مليون دولار.
ويبيع التنظيم هذا النفط إلى مختلف سماسرة المنطقة، بدءًا من وكلاء النظام السوري الساقط، وقد أدارت هذا الملف عائلة مافيا القاطرجي المعروفة، وصولًا إلى إقليم كردستان العراق.
وتُترك هذه الملايين من الدولارات لتصرف قادة التنظيم من دون حسيب أو رقيب، فضلًا عن أن النفط يُستخرج بأكثر الطرق بدائية وضررًا، ما يتسبب بكوارث بيئية وتخريب ممنهج لإمكانات الحقول نفسها.
وهذه الملايين المنهوبة، على طريقة أمراء الحرب، تُقتسم أيضًا بأسلوب أمراء الحرب. وبحسب إيبو، يذهب نحو 40 مليون دولار شهريًا إلى قائد قوات سوريا الديمقراطية "مظلوم عبدي" كميزانية شهرية، وسط فضائح تتعلق بامتلاك مقربين من عائلته حسابات مصرفية في بلدان أوروبية، في حين تبقى 80 مليون دولار بيد المسؤول المالي العام للحزب "علي شير"، الذي لا يُعرف مصير هذه الأموال إلا لديه.
إن شخصيات سوداء ومشبوهة وغامضة، مثل علي شير، تمثل ظاهرة مألوفة لدى تنظيمات أمراء الحرب، ووفقًا لبعض التسريبات، فإنه يمثل "البنك الخفي للحزب والمتحكم بشبكاته المالية".
تدير هذه المنظومة شبكات فساد مترابطة، ومنظمة، ومقسمة المهمات، تشرف على أنشطة التنظيم والمناطق الخاضعة لسيطرته.
والمنطق الحاكم لكل ذلك هو منطق أمراء الحرب، رجال ظل مشبوهون يديرون ملفات تدر عليهم وعلى أتباعهم ملايين الدولارات، تُقسم بينهم وبين شركائهم وفق أسلوب شبكات المافيا.
أما أسلوب التحكم والسيطرة، فيقوم على البطش والقتل، انطلاقًا من احتكارهم لسلطة السلاح وقدرتهم على فرض مصالحهم بقوة المليشيا المسلحة، التي تتحول إلى ذراع عسكرية لخدمة المصالح الشخصية.
وتتكون شبكة بيع البترول من ياسر حزوني، والقاطرجي، وأبو دلو، وهم المسؤولون عن نقل المنتجات النفطية إلى مناطق سيطرة النظام، أما إبراهيم زندان وشاهور حسن، فهما المسؤولان عن تهريب النفط إلى الأراضي التركية، وفيما يتعلق بمعابر التهريب، فهي منظمة ومدارة بالتنسيق مع مسؤول الجمارك في الإدارة الذاتية، هفال ولات.
في بيئة كهذه من الفساد المنظم، من الطبيعي ألا توجد أي بنية مؤسساتية من أي نوع. فالمجتمع المحكوم من قبل المليشيات والفصائل هو مجتمع منكوب، تُسخَّر موارده لصالح فئة ضيقة من أمراء الحرب.
وفي جميع قطاعات الحياة المعيشية والخدمية، يظهر مشهد بؤس مدقع، وبحسب مركز الحوار السوري، يعيش القطاع الصحي في مناطق الإدارة الذاتية حالة إهمال وضعف فاضح، مع غياب شبه كامل للمنظومات الإسعافية، في حين تقتصر المستشفيات الخاصة على الطبقة المرفهة بسبب تكاليفها الباهظة.
أما في مجال الخدمات والبنى التحتية، فيكفي الإشارة إلى الانخفاض الشديد في مؤشر توفر مياه الشرب النظيفة، حيث يفيد المركز بأن عدد المحرومين من خدمات تأمين المياه يتجاوز 400 ألف شخص، وينسحب الأمر ذاته على الكهرباء والطرقات وشبكات الصرف الصحي، وفي قطاع التعليم، بات من المعروف أن مشروع بناء جامعة كوباني تحول إلى واحدة من أشهر قضايا الفساد في المنطقة.
لا يمكن للمناطق الخاضعة لسلطة الفصائل أو المليشيات أن تعرف أي شكل من أشكال الازدهار أو الأمان أو الاستقرار المجتمعي، فكيف إذا كانت واقعة تحت حكم أمراء حرب، في هذه الحالة، يفقد المجتمع الأمل بالمستقبل.
وكلما ابتعد المجتمع السوري عن حالة الدولة، ازداد خرابًا وبؤسًا، وكلما اقترب من نموذج الدولة والمؤسسات وحكم القانون، ازدادت فرصه في الحياة والازدهار والانتعاش وإعادة الإعمار وإمكانية العودة إلى مسار الحياة الطبيعية.
وعليه، فإن الدعوة إلى الحياة في سوريا هي دعوة إلى بناء الدولة، والابتعاد عن الفوضى التي خلفتها الحرب الأهلية، بأسرع وقت ممكن، والتحرك نحو بنى مؤسساتية راسخة وثابتة، قائمة على مؤسسات دستورية قوية وقادرة، وحدها الكفيلة بضمان العيش الكريم، وبعث الأمل بحياة صالحة للأجيال الحالية والقادمة.