حورات خاصةسلايد رئيسي

حوار خاص مع الباحثة الإسرائيلية تسوركوف حول الطائفة العلوية وأساس الصراع المستمر في سوريا

حظيت الطائفة العلوية طيلة سنوات حُكم عائلة الأسد، الأب والإبن على حد سواء، بإمتيازات عديدة، بدءًا من التعيين في الوظائف الحكومية، ووصولًا إلى المكانة المعنوية التي منحتها سلطة العائلة لهم في التعاملات اليومية وما زرعته في نفوس بقية الطوائف اتجاهها.

ومع اندلاع الحرب التي طالتهم آثارها، تبدّلت أحوال أبناء الطائفة وتحوّل آلاف الفقراء منهم إلى وقود حرب “الأسد”، ضدَّ جموع الشعب السوري.

وقد نجح النظام منذ بداية الثورة، بزج الطائفة العلوية في مواجهة الشعب السوري بمختلف خلفياته الدينية والعقائدية، على اعتبارها الكيان الحاضن والمؤيد له، في الوقت الذي استثمر النظام تقديم نفسه على أنه الجهة الوحيدة القادرة على حمايتها، معتمدًا بروباغندا تُظهر كافة أطياف المعارضة على أنها “فصائل إسلامية” ستلاحق العلويين بـ”الإبادة والسبي”، مقدّمًا نفسه على أنه “حامي الأقليات”.

ويعتبر المكوّن العلوي الذي يشكل الساحل السوري محور تمركزه وانتشاره، إلى جانب بعض مناطق الداخل في محافظات حمص وحماة ودمشق، ثاني أكبر طائفة في سوريا، بعد الطائفة السُنيّة التي تُشكّل نسبة 75%، فيما تتراوح نسبة العلويون ما بين 7- 15 % من إجمالي سكان سوريا.

وخلال سنوات الحرب الأخيرة، غاب الظهور العلوي للعيان، وبقي معظم أبناء الطائفة يتلازم وجوده في حدود مناطقه، الأمر الذي وسّع الشرخ مع باقي الطوائف والأقليات.

وللحديث في تفاصيل أوسع، أجرت وكالة ستيب الإخبارية حوارًا مع “أليزابيث تسوركوف” الباحثة في منتدى التفكير الإقليمي بمركز الدراسات (الإسرائيلي – الفلسطيني)، تعقيبًا على الاستطلاع الأخير التي عملت عليه مع فئات مختلفة من الطائفة العلوية، حول أوضاع الطائفة العلوية في سوريا، في ظل استمرار الحرب الدائرة بين النظام السوري وفصائل المعارضة، والآثار التي تعرضوا لها، بعد انخراط الآلاف منهم في هذه الحرب.

 

كيف جاءت لك فكرة استطلاع رأي العلويين وخصوصاً أنها طائفة شبه مغلقة على نفسها وتعتبر ذاتها قياديي المجتمع والدولة السورية بحكم انتماء عائلة الأسد لها؟

أرى أن دوري كباحثة هو تسليط الضوء على مواقف ومعتقدات المجتمعات المختلفة ومكونات المجتمع السوري، نادراً ما يتم الاستماع إلى أصوات المدنيين العاديين في جميع أنحاء سوريا.

وأعتقد أنَّ الكثير من مواقف الكراهية والطائفية في سوريا، تنبع من عدم التواصل وفهم وجهات نظر ومعتقدات الجماعات التي تعتبر أعداء لبعضها.

كما أنَّ مجتمع العلويين في سوريا، مجتمع مغلق لم تتح له الفرصة للتعبير عن آرائه، فأولئك الذين يتحدثون نيابة عنهم، هم السياسيين، ولا يمثلون المجتمع العلوي في الواقع في العديد من القضايا.

سألت كل الأشخاص الذين قابلتهم عما إذا كانوا يشعرون بأنهم متميزون مقارنة بالسنة، وبينما يدرك البعض أنهم أقل عرضة لمواجهة انتهاكات المخابرات، فهم ليسوا “الطائفة الحاكمة” – هناك عائلة واحدة تحكم سوريا مع المافيا والشبكة التي تحيط بها – وليست طائفة كاملة تتكون من حوالي مليوني شخص، يعيش معظمهم في فقر مدقع.

هل وجدتي تجاوب من قبل الأشخاص هناك، أم أنهم قد ينفرون من كونك إسرائيلية بسبب اعتماد نظام الأسد شعارات المقاومة والممانعة ضد إسرائيل؟

بعض السوريين يرفضون التحدث معي بسبب جنسيتي (التي لم أخترها بالطبع). لكن هناك ما يكفي من السوريين الذين يدركون أنني أتمنى حقًا فهم وجهة نظرهم وشرحها للعالم وأنني مهتمة بهم، سواء أكانوا علويين أم سنيين أم مسيحيين أم عربًا أو كرد.

 إنَّ تاريخي ونشاطي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وضد انتهاكات حقوق الإنسان والحروب الإسرائيلية عندما كنت ما زلت أعيش في إسرائيل، يساعدني أيضًا بالاقتراب من السوريين.

واتفهم أسباب من يرفض التحدث معي، واعتبره حق.

في الاستطلاع ماهي الفئات المجتمعية التي تناولتها ضمن هذه الطائفة هل هناك مشايخ أو قياديين بارزين في النظام أم من عامة الشعب؟

تحدثت إلى موظفي الحكومة والطلاب والمسلحين والجنود المتقاعدين والأشخاص الذين سبق لهم المشاركة في السياسة.

كيف وجدتي نظرة العلويين عموماً لباقي الطوائف خصوصًا بعد حكمهم المستمر للدولة منذ ٤٠ عام؟

لدى العلويين الذين تحدثت معهم وجهة نظر مختلفة عن المسلمين وغير المسلمين، لا يُنظر إلى المسيحيين والدروز على أنهم يشكلون تهديدًا، بينما يُنظر إلى المسلمين من (السنة والشيعة)، على أنهم يحملون آراء راديكالية يمكن أن تنفجر بأي وقت.

إنَّ تاريخ اضطهاد الطائفة، واستهداف العلويين في الثمانينيات، وتطرف بعض المعارضة السورية كلها عوامل تعزز هذا التصور.

وهذا الخوف من السنة، الذين يمثلون الأغلبية في سوريا، يدفع العلويين لتبرير استخدام القوة للحفاظ على السلطة في ما يعتبرونه نظامًا علمانيًا (نظام الأسد).

إنهم ببساطة لا يثقون في أنَّ الحكومة التي يمكن أن يقودها السنة لن تكون راديكالية وتحمي حقوقهم.

هل يرون أن قتالهم اليوم على أساس ديني مذهبي ضدَّ ارهاب سنّي، أم قتال دولة شرعية ضد خارجين عن القانون وإرهابيين كما يصفوهم؟

العلويون علمانيون إلى حد كبير، والكثير منهم لا يعرفون مبادئ دينهم السري والروحي. ويقول الجميع إنَّ المعركة في سوريا هي ضد الإرهابيين الذين يحاولون تدمير البلاد.

هل يعتقد (العلويون) أنَّ الأسد باقي في الحكم للأبد، أم برأيهم أنه يجب وضع حل للأزمة والحرب حتى لو على حساب الإطاحة بالأسد؟

لقد تحدثت إلى العديد من الأشخاص الذين يفضلون بقاء النظام في مكانه، العلويون وأبناء الطوائف الأخرى، بما في ذلك السنة.

بينما يُعجب الكثيرون منهم بـ(حافظ الأسد)، فإنهم ينظرون إلى بشار بطريقة مختلفة، وأعتقد أنَّ عددًا قليلًا جدًا من الناس يعجبون ببشار ويريدون منه البقاء، فإذا شعر العلويون أنَّ هناك شخصًا آخر يمكنه الحفاظ عليهم آمنين، أعتقد أنه سيرحب باستبدال بشار بشخص أكثر كفاءة وأقل فسادًا.

هل يرون إمكانية عودة الحكم لهم بعد الأسد بشكل ديمقراطي، أم متخوفون من سلطوية سنيّة على الحكم؟

هذا بالنسبة لي كان أكثر ما أثار إزعاجي في هذا البحث، كداعمة لحقوق الإنسان.
بين العلويين الذين تحدثت إليهم، حتى أولئك الذين يعارضون القمع ويريدون نظريًا الديمقراطية، ويخشون مما سيعنيه تنفيذه لبقائهم، يعطي البشر بطبيعة الحال الأولوية للحفاظ على حقوق الإنسان.

أتفهم مخاوف العلويين من المعارضة؛ لقد تسببت في ارتكاب أعمال وحشية ضدهم، على سبيل المثال في مذبحة أغسطس 2013 في ريف اللاذقية.

لكن في الوقت نفسه، يقودهم هذا الخوف إلى استمرار وجود دولة أجهزة الأمن السورية (كما هو موضح في استطلاع أجرته المنظمة غير الحكومية “اليوم التالي” في عام 2016 وفي بحثي).

تقوم دولة المخابرات السورية بتعذيب وإبادة البشرعلى نطاق واسع، ولا أعتقد أنَّ معظم العلويين يدعمون ذلك، لكن في الوقت نفسه، يشعرون أنَّ هذه الأجهزة القمعية هي حمايتهم الوحيدة من إبادة السنة.

كيف يرون علاقة النظام بروسيا وايران هل يشجعونها، أم يعتبرونها علاقة مصالح فقط؟

يبدو أن هناك فرقًا بين نظرة العلويين إلى روسيا وإلى إيران.

جميع الذين تحدثت إليهم ممتنون لتدخلهم، الذي أنقذ النظام من الانهيار، وفي نظرهم، ضَمِن بقاءهم كطائفة.

في الوقت نفسه، فإنَّ الطبيعة الإسلامية للنظام الإيراني وميليشياته، بالإضافة إلى الجهود الشيعية (المحدودة)، تجعل العلويين غير مرتاحين لدور إيران في سوريا.

يعارض البعض أيضًا الوجود الروسي، ويرون أنه شكل من أشكال الاستعمار، لكنهم يرون أنه ضروري الآن.

هل يؤيد العلويون الانفصال، أو إقامة حكم ذاتي لهم بشكل فدرالي أو لامركزي إذا ما تمت هناك تسوية سياسية ما أفضت لخروجهم من الحكم؟

أعتقد أنَّ معظم العلويين، مثل معظم الناس في كل مكان، لا يفكرون كثيرًا في السياسة والحلول السياسية المعقدة.

من بين أولئك الذين ينخرطون أكثر في السياسة في الطائفة، سمعت دعمًا للاستقلال أو شكلاً من أشكال اللامركزية، مما يسمح لهم بالبقاء في أمان وفي الوقت نفسه، لا يضطرون إلى قمع وقتل المعارضين للنظام (أو السنة) من أجل البقاء.

أعتقد أنه بمجرد أن يشعر العلويون بالأمان، في منطقة يسيطرون عليها، سيكونون قادرين على التصرف وفقًا لرغباتهم في العيش في نظام غير فاسد وغير استبدادي.

أظن أنَّ النظام السوري يعرف ذلك جيدًا وبالتالي يدرك ما يهدد به العلويون.

وما تم توثيقه جيدًا بأنَّ النظام قام بتضخيم مخاوف العلويين عن عمد في بداية الثورة السورية من خلال إطلاق سراح الجهاديين من سجن صيدنايا، وادعاء كاذب أنَّ المتظاهرين طائفين ومتطرفين، ويقومون باستفزازات.

على سبيل المثال، عن طريق توزيع الأسلحة والحقائب على العلويين في حمص، وإرسال عملاء المخابرات لإخبار المحتجين السنة في اللاذقية والأطراف الجنوبية من دمشق بأنَّ العلويين أو الشيعة على وشك مهاجمتهم، ثم القيام بالشيء نفسه في الأحياء العلوية والشيعة، وأنَّ سكان تلك المناطق والمتظاهرين السنة سيأتون لمهاجمتهم.

كيف يرون بروز شخصيات علوية جديدة قد تسبب بشق الصف العلوي مثل شخصية النمر أو حتى ماهر الأسد أو أولاد عم الأسد وغيرهم؟

لم يكن هذا السؤال جزءًا من بحثي، ولكن استنادًا إلى منشورات العلويين عبر الإنترنت وبعض المحادثات مع العلويين، يبدو أنَّ سهيل الحسن يتمتع بشعبية هائلة، أكثر من بشار نفسه.

قاد “الحسن” هجماته لكسر الحصار المفروض على جنود الجيش السوري مثل حصار كويرس وحلب.

كما أنه لا يبدو أنه فاسد، على عكس قادة النظام الآخرين. وأعتقد أنه أيضًا أكثر شعبية من بشار الأسد لأنه ينظر إليه على أنه أكثر حسماً ووحشية.

هذا مشابه لشعبية حافظ والتي هي أكبر من شعبية ابنه، حيث سحق تمرد حماة بسرعة، في مقابل فشل بشار في سحق المعارضة المسلحة حتى الآن.

وفيما يتعلق بماهر الأسد، ليس لديه الكثير من الشخصية العامة منذ الأيام الأولى فشل بسحق الاحتجاجات السلمية.

 

بالنهاية، برأيك هل سيستمر العلويين بالقتال حتى الرمق الأخير، أم أنهم قد يرضخون للواقع ويندمجون مع باقي الطوائف ضمن حل ما للأزمة الأكثر دموية بالتاريخ الحديث؟

المشكلة هي أنَّ العلويين ليس لديهم خيار سوى القتال، لقد فرَّ الآلاف من العلويين من البلاد لتجنب التجنيد الإجباري، لكن معظم العلويين لا يستطيعون تحمل أساسيات الحياة الضرورية، ناهيك عن آلاف الدولارات التي يحتاجونها للوصول إلى لبنان أو أوروبا.

اللاجئون العلويون عمومًا لا يشعرون بالأمان للبقاء في تركيا لأنها دولة ذات أغلبية سنية ويغير البعض لهجتهم ويحاولون إخفاء أصلهم.

وحتى يتجنب بعضهم التدخل بالوضع الراهن أثناء البقاء في سوريا يتطلب رشاوى لا يستطيعون تحملها.

إذا كان بإمكان المجتمع العلوي اختيار طريقه بنفسه، فأعتقد أنَّ الكثيرين يريدون الفيدرالية أو الاستقلال أو يفرون من البلاد، كما فعلت الجالية المسيحية الأكثر ثراءً.

وبالرغم من ذلك فأنا متأكدة من أنَّ بعضًا سيبقون ويحمون المناطق الساحلية، لكنهم ربما لا يرون أي سبب للقتال في درعا، البادية ودير الزور، على سبيل المثال.

 هذه هي المأساة العميقة للطائفة العلوية – لقد فقدوا الكثير من الشباب، ويعيش معظمهم في فقر أكبر مما كان عليه قبل عام 2011، وجميعهم استهلكوا للحفاظ على السلطة في نظام أصبح أكثر فسادًا.

قدر النظام على ذلك من خلال استغلال مخاوف العلويين وتجنيدهم قسراً وتوفير مزايا مالية محدودة لأولئك المتورطين في القتال نيابةً عنهم بسبب انهيار الاقتصاد الوطني في سوريا أثناء الحرب.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى