شهدت مدينة إسطنبول، الجمعة، لقاءً لافتاً جمع وزير الدفاع التركي يشار غولر بكل من وكيل وزارة الدفاع الليبية في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، ونائب قائد "الجيش الوطني الليبي" وقائد القوات البرية صدام حفتر، وذلك على هامش فعاليات معرض SAHA Expo 2026 الدولي لصناعات الدفاع والطيران والفضاء في إسطنبول.
اللقاء الذي بدا بروتوكولياً في ظاهره، حمل أبعاداً سياسية وعسكرية أوسع، خصوصاً أنه جمع للمرة الأولى في حدث علني شخصيات تمثل معسكري الشرق والغرب الليبيين برعاية تركية مباشرة، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تحول متسارع في مقاربة أنقرة للملف الليبي، بعد سنوات من الاصطفاف الحاد خلال الحرب الليبية.
اجتماع يتجاوز الطابع البروتوكولي
بحسب ما أوردته وسائل إعلام تركية وليبية، فإن الاجتماع عقد على هامش المعرض الدفاعي الذي تستضيفه إسطنبول بمشاركة وفود عسكرية وصناعية من أكثر من 120 دولة، إلى جانب مئات الشركات العاملة في الصناعات الدفاعية والجوية والفضائية.
اقرا المزيد
ورغم عدم صدور بيان تفصيلي يكشف مضمون المحادثات، فإن الصور الرسمية التي أظهرت غولر متوسطاً الزوبي وصدام حفتر أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط الليبية، نظراً للحساسية السياسية والعسكرية بين الطرفين منذ سنوات الانقسام والصراع المسلح.
ويأتي هذا اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد ليبيا تحركات متزايدة لإعادة ترتيب المسار الأمني والعسكري، بالتوازي مع ضغوط أممية ودولية لإعادة توحيد المؤسسات العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.
أنقرة تغيّر مقاربتها تجاه الشرق الليبي
يمثل ظهور صدام حفتر في إسطنبول تحت رعاية رسمية تركية تطوراً لافتاً في العلاقات بين أنقرة ومعسكر الشرق الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، بعدما كانت تركيا خلال السنوات الماضية الداعم العسكري والسياسي الأبرز لحكومة الوفاق الوطني، ثم حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.
وخلال حرب طرابلس عام 2019، لعب التدخل العسكري التركي دوراً محورياً في الصدام العسكري الليبي، ما أدى إلى حالة عداء سياسي وعسكري حاد بين الطرفين آنذاك، إلا أن الأشهر الأخيرة أظهرت تحولات تدريجية في سياسة أنقرة، تقوم على الانفتاح على جميع القوى الليبية وعدم الاكتفاء بعلاقاتها التقليدية مع غرب ليبيا.
وتشير تقارير دولية إلى أن تركيا باتت تنظر إلى الشرق الليبي باعتباره شريكاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالطاقة وإعادة الإعمار والتوازنات العسكرية في البلاد.
صدام حفتر.. اللاعب الصاعد في شرق ليبيا
يُنظر إلى صدام حفتر باعتباره أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل معسكر الشرق الليبي، إذ يشغل منصب رئيس أركان القوات البرية في "الجيش الوطني الليبي"، إلى جانب قيادته "لواء طارق بن زياد"، الذي يعد من أبرز التشكيلات العسكرية التابعة لمعسكر الشرق.
وخلال السنوات الماضية، كثف صدام حفتر زياراته الخارجية ولقاءاته الإقليمية والدولية، في تحركات فسّرها مراقبون بأنها جزء من عملية إعداد تدريجي لدور سياسي وعسكري أكبر داخل ليبيا.
وتشير تقارير متعددة إلى أن تركيا فتحت خلال الفترة الأخيرة قنوات اتصال مباشرة مع صدام حفتر، سواء عبر مؤسساتها الأمنية أو العسكرية، ضمن سياسة إعادة تقييم موقفها من بعض الملفات الإقليمية.

تمهيد لمسار عسكري موحد؟
اللقاء الثلاثي في إسطنبول لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء بعد أيام من إعلان وزارة الدفاع التركية مشاركة عناصر عسكرية من الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر وغربها للمرة الأولى في مناورات عسكرية مشتركة داخل تركيا، ضمن تدريبات "أفس-2026".
ويعتقد متابعون أن أنقرة تحاول لعب دور الوسيط العسكري بين الأطراف الليبية، مستفيدة من علاقاتها المتنامية مع حفتر، وعلاقاتها التقليدية مع حكومة طرابلس، بما يسمح لها بالحفاظ على نفوذها في كامل الجغرافيا الليبية.
كما أن جمع الزوبي وصدام حفتر في لقاء واحد يحمل دلالات رمزية مهمة، خاصة في ظل الجهود الدولية الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

معرض "ساها 2026".. منصة للنفوذ الدفاعي التركي
يشكل معرض SAHA Expo 2026 أحد أبرز أدوات القوة الناعمة والصناعية التي تستخدمها تركيا لتعزيز حضورها الدفاعي عالمياً، إذ تستعرض خلاله شركات الصناعات العسكرية التركية أحدث أنظمتها في مجالات الطيران المسيّر، والصواريخ، والدفاع الجوي، والتقنيات البحرية والفضائية.
وخلال السنوات الأخيرة، توسعت صادرات الصناعات الدفاعية التركية بشكل كبير، خاصة إلى دول أفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك ليبيا، التي باتت تمثل ساحة استراتيجية مهمة للصناعات العسكرية التركية.
ويبدو أن مشاركة الوفود الليبية في المعرض، إلى جانب اللقاءات السياسية والعسكرية المرافقة له، تعكس رغبة تركية في تعزيز الشراكات الدفاعية مع مختلف الأطراف الليبية، وليس فقط حكومة طرابلس.
ويرى محللون أن الاجتماع حمل كذلك رسائل إقليمية تتعلق بموقع تركيا في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، إذ تسعى أنقرة إلى تثبيت نفوذها في ليبيا باعتبارها بوابة استراتيجية للطاقة والبحر المتوسط وأفريقيا.
