في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية الرافضة لما يُوصف بمحاولات توطين المهاجرين غير الشرعيين داخل ليبيا، وتتزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بانتشار شبكات التهريب والجريمة المنظمة، أعلن نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية الفريق أول ركن صدام حفتر إشرافه المباشر على الحملة الأمنية الموسعة التي تنفذها الأجهزة المختصة ضد المخالفين لقوانين الدخول والإقامة في البلاد.
وأكد صدام حفتر، في تصريحات نشرها عبر منصة "إكس"، أنه أشرف على العمليات الأمنية الجارية "حفظاً للأمن العام وسلامة المواطنين"، مشدداً على ضرورة الالتزام بأقصى درجات الانضباط والمهنية واحترام حقوق الإنسان أثناء التعامل مع المخالفين، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات قانونية فورية لترحيلهم خارج البلاد.
وأوضح أن هذه الحملة جاءت استجابة لما وصفها بـ"التهديدات المتصاعدة" الناجمة عن ملف الهجرة غير القانونية والتسلل عبر شبكات تهريب المهاجرين والجريمة المنظمة العابرة للحدود، مؤكداً أن المؤسسات الأمنية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام المخاطر التي تفاقمت خلال السنوات الماضية وأثرت على أمن المدن الليبية واستقرارها.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تحول فيه ملف الهجرة غير الشرعية إلى أحد أكثر القضايا حساسية في البلاد، مع تزايد الجدل بشأن أعداد المهاجرين المنتشرين في المدن الليبية، وتصاعد المخاوف الشعبية من تداعيات الظاهرة على الأمن والاستقرار والهوية الوطنية.
غضب شعبي ورفض لفكرة التوطين
خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت عدة مدن ليبية احتجاجات ومواقف شعبية واسعة رفضاً لما تردد عن وجود خطط أو مشاريع لتوطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، حيث اعتبر المحتجون أن البلاد تعاني أساساً من أزمات اقتصادية وأمنية متراكمة تجعلها غير قادرة على استيعاب المزيد من الوافدين.
اقرا المزيد
وتحولت القضية إلى محور رئيسي للنقاش في الشارع الليبي، مع تصاعد المخاوف من أن تتحول ليبيا إلى وجهة دائمة للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، خاصة في ظل استمرار تدفقهم عبر الحدود الجنوبية الممتدة والصعبة المراقبة.
كما ساهم انتشار مقاطع مصورة وتقارير محلية تتحدث عن تزايد الجرائم المرتبطة ببعض شبكات التهريب والعصابات العابرة للحدود في تعزيز المخاوف الشعبية، وسط مطالبات باتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة الملف وعدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
صدام حفتر يقود الحملة ميدانياً
في خضم هذه التطورات، برز صدام حفتر بوصفه المسؤول الأكثر حضوراً في إدارة الملف خلال المرحلة الحالية، حيث تبنى مقاربة أمنية مباشرة تستند إلى فرض القانون وضبط الحدود وملاحقة شبكات التهريب.
وأصدر نائب القائد العام تعليمات للأجهزة الأمنية والعسكرية المختصة بتنفيذ حملات واسعة ضد المخالفين لقوانين الدخول والإقامة، مع التركيز على تفكيك أوكار التهريب وضبط المتورطين في تسهيل عمليات التسلل غير القانوني.
ولم تقتصر رسائل صدام حفتر على الجانب الأمني فقط، بل حرص على التأكيد أن الحملة تُنفذ وفق الأطر القانونية والإنسانية، مشدداً على ضرورة الحفاظ على كرامة المخالفين واحترام حقوقهم أثناء تنفيذ الإجراءات القانونية بحقهم.
وفي رسالة موجهة إلى الرأي العام الليبي، دعا المواطنين إلى الثقة بمؤسسات الدولة التي قال إنها وُجهت لاتخاذ إجراءات حازمة لحماية المواطنين وتنظيم تواجد العمالة الأجنبية داخل البلاد، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تضافر الجهود لمواجهة التحديات المرتبطة بالهجرة غير الشرعية.
كما وجّه رسالة طمأنة إلى الدول التي لديها رعايا مخالفون داخل ليبيا، مؤكداً أن مواطنيها في أمان، وأن بإمكانها متابعة أوضاعهم القانونية وإجراءات العودة الطوعية أو الترحيل عبر القنوات والمؤسسات المختصة.
حملات أمنية وترحيل آلاف المخالفين
بالتزامن مع هذه التوجيهات، كثفت الأجهزة الأمنية حملاتها في مناطق عدة من شرق وجنوب ليبيا، حيث جرى ضبط أعداد كبيرة من المهاجرين المخالفين للقوانين الليبية، إضافة إلى تنفيذ عمليات ترحيل واسعة إلى بلدانهم الأصلية.
وتقول مصادر أمنية إن الحملة تستهدف بالدرجة الأولى الحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة التي استغلت حالة عدم الاستقرار خلال السنوات الماضية لتحقيق مكاسب مالية ضخمة من تهريب المهاجرين عبر الأراضي الليبية.
ويرى متابعون أن هذه الإجراءات تمثل تحولاً في طريقة التعامل مع الملف، إذ بات يُنظر إلى الهجرة غير الشرعية باعتبارها قضية أمن قومي ترتبط مباشرة باستقرار الدولة وأمن المواطنين، وليس مجرد ملف إنساني أو إداري.
مفوضية اللاجئين تنفي مشاريع التوطين
في المقابل، دخلت الأمم المتحدة ومفوضية شؤون اللاجئين على خط الجدل الدائر في ليبيا، حيث نفت بشكل قاطع وجود أي خطط أو برامج تستهدف توطين المهاجرين أو اللاجئين داخل البلاد.
وأكدت الجهات الأممية أن برامجها تتركز على تقديم المساعدات الإنسانية والحماية للفئات الأكثر ضعفاً، إضافة إلى برامج العودة الطوعية وإعادة التوطين في دول أخرى بالنسبة للحالات المستحقة، مشددة على أن ما يُتداول بشأن توطين المهاجرين داخل ليبيا لا يستند إلى وقائع رسمية.
كما أعربت البعثة الأممية عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين وبعض العاملين في المنظمات الدولية، داعية إلى معالجة الملف ضمن الأطر القانونية والإنسانية.
تحرك مؤسسات الدولة
على المستوى الرسمي، شهد الملف تحركات متسارعة من جانب المؤسسات الأمنية والإدارية المعنية بمكافحة الهجرة غير الشرعية، حيث جرى تعزيز التنسيق بين الأجهزة المختصة لملاحقة شبكات التهريب وضبط الحدود ومراجعة أوضاع العمالة الأجنبية المقيمة داخل البلاد.
وتؤكد السلطات الليبية أن الإجراءات الحالية تستهدف فرض القانون وتنظيم الوجود الأجنبي وليس استهداف العمالة القانونية أو المقيمين بصورة مشروعة، في وقت تواصل فيه الجهات المختصة تنفيذ برامج العودة الطوعية والترحيل للمخالفين وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
معركة مفتوحة على مستقبل ليبيا
ومع استمرار تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية واتساع دائرة القلق الشعبي، يبدو أن ملف الهجرة غير الشرعية سيظل أحد أبرز التحديات التي تواجه ليبيا خلال المرحلة المقبلة.
وفي قلب هذه المعركة يبرز صدام حفتر باعتباره قائد الحملة الأمنية الأوسع التي تشهدها البلاد في مواجهة الظاهرة، مستنداً إلى خطاب يربط بين مكافحة الهجرة غير القانونية وحماية الأمن القومي والاستقرار الداخلي.