ليلة اجتياح كوباني
في شهر سبتمبر من 2014، حاصر داعش واقتحم مدينة كوباني من ثلاث اتجاهات في ليلةٍ مظلمة، ولم تتمكن القوات المتواجدة فيها حينذاك من الصمود بسبب شراسة الهجوم، ففرّ معظمهم إلى تركيا، وبقيّ في الزاوية الضيقة قرب المعبر الحدودي فقط 70 مقاتلاً، فدخلوا تركيا وسقطت المدينة بشكل شبه كامل، فأبلغت واشنطن هؤلاء بالعودة إلى الدفاع مجدداً لساعة واحدة فقط، ووعدتهم بالتدخل عسكرياً لحماية المدينة، وبالفعل بعد ساعة واحدة حلقت طائرات "إف 16" فوق مدينة كوباني فارتفعت معنويات المقاتلين المتبقين في المعبر الحدودي، فنسقت واشنطن مع أربيل وأنقرة وأدخلت حوالي 200 عنصر من قوات البيشمركة إلى كوباني مروراً بتركيا، ودخلت فصائل الجيش الحر على خط المواجهة فتمكنوا سوياً من تحرير المدينة بدعم من التحالف الدولي الذي شكلته واشنطن في بداية الأمر من (واشنطن، باريس، لندن، أنقرة، الدوحة، والرياض)، واتسع هذا التحالف فيما بعد ليصل العدد إلى 82 دولة، فانكسرت سطوة داعش في المنطقة، وتراجع خطوة خطوة حتى انتهى به المطاف إلى باغوز بريف ديرالزور، ليتم تحرير كامل منطقة شرق الفرات ويعتبر ذلك انتصارًا تاريخيًا على أشرس تنظيم وُجد على الأرض، ارتكب العشرات من أفظع المجازر في الرقة ومنبج وجرابلس.وفي 2017، انتهت حقبة داعش في شرق الفرات بشكل كامل لتدخل من خلالها واشنطن إلى صراع مختلف وتحت عناوين جديدة مع موسكو وأنقرة وطهران على الويلمة التي تركها داعش من خلفه في المنطقة.هل حمّت واشنطن كوباني ؟
فرحة أهالي كوباني بتحرير مدينتهم لم تكتمل، ففي 25 يونيو 2015، اقتحم حوالي 200 عنصر من داعش المدينة من الجهة الجنوبية والتي سُميت (بليلة الغدر) وتمكن داعش من اقتحامها خلال ساعة واحدة مروراً بحواجز حزب الاتحاد الديمقراطي، وقبل صيّاح الديك تمكن هذا التنظيم من قتل وذبح حوالي 500 شخص بدمٍ بارد تحت الصمت العالمي وبتنسيق مسبق مع بعض كوادر العمال الكردستاني، الذين كانوا يهيمنون على المنطقة ولازال المجرمون بدون محاكمة، فتم التكتم عليها من قبل الجميع لأن واشنطن لم تعد تهمها دماء الأبرياء الكرد السوريين، ولم تبادر حتى بتشكيل لجنة تحقيق فصمت الجميع.أين أخطأت واشنطن وأين أصابت؟
بعد انتهاء معركة داعش وإعلان الانتصار في ريف ديرالزور بعام 2017، اختصرت نشاطها من خلال التحالف الدولي بالدخول في مواجهات استفزازية مع موسكو وأنقرة وطهران، وتركت الناس الذين أنهكتهم الحرب وشأنهم، وما خلفها من الدمار والخراب، فسلّمت رقاب الناس لمنظومة العمال الكردستاني في شرق الفرات لتستفرد بهم وتعتقلهم وتجندهم تارةً وتهجّر ما تشاء تارةً أخرى مستقويةً بالأمريكان، فعانى الناس الويلات من ممارسات هذه المنظومة التي بدورها حوّلت منطقة شرق الفرات إلى ساحة لتصفية الحسابات مع أنقرة.الرئيس باراك أوباما، يستحق الشكر من الشعب الكردي في سوريا لقراره التدخل لحماية كوباني من السقوط بيد داعش، ولكن الرئيس ترامب كان خير خلف لذلك السلف، فنجح إلى حدٍّ بعيد بتقزيم الدور الإيراني في المنطقة ورصد مبالغ مالية كبيرة مقابل أية معلومة عن قادة حزب العمال الكردستاني (الثلاث)، فتمكن من ضبط إيقاعات القوى المسلحة في المنطقة وضرب بيد من حديد كل طرف خرج عن المسار المرسوم له.ماذا تريد واشنطن من قسد بعد انتهاء حقبة داعش؟
تغلغلت الأجهزة الأمنية الأمريكية والفرنسية في شرق الفرات، واحتكت بشكل مباشر مع قادة "قسد" القادمين من "قنديل "، وتم تطوير العلاقة الإستراتيجية معهم بهدف استفزاز أنقرة، ليتحول الوجود العسكري الأمريكي (التحالف الدولي) في سوريا من محاربة داعش إلى معركة تصفية الحسابات مع أنقرة على حساب الشبان الكرد السوريين ودمائهم الطاهرة، الذين لا ناقةً لهم في هذه المعارك ولا جمل، والمنطقة انقلبت إلى ساحة لمعارك شد وجذب بين القوى المتصارعة على وليمة داعش. سحبت واشنطن نفوذها من مدينة رأس العين وتل أبيض وقبلها من عفرين، وتركت الناس فيها لتواجه مصيرها مع فصائل المعارضة السورية.الكثير من الكرد السوريين يتساءلون: ما فائدة تحرير منطقتهم من داعش طالما نصف الشعب لازال في المخيمات والدول الجوار؟اقرا المزيد