جرفت حرب السودان الطاحنة مدنا بأكملها نحو النزوح، والعلامة الفارقة هنا هي أن النزوح لم يعد حدثًا عابرًا، بل صار نمطًا يطبع الحياة.
في بلد تتبدّل فيه الخرائط تحت ضغط المعارك، أفاد 47% من المستجيبين لاستطلاع رأي أجري حديثا أنهم نزحوا شخصيًا أو مع أسرهم (أو بعض أفرادها) منذ اندلاع النزاع في السودان.
واللافت أن هذه النسبة لا تشمل الذين غادروا السودان إلى بلدان أخرى؛ أي أنّ النزوح هنا هو "الداخلي" فقط، بما يحمله من تبدّلٍ في السكن، والعمل، وشروط الحياة.
لعلّ ما هو "أثقل" من فعل النزوح نفسه، يبقى أنّ العودة غير مضمونة.
فبين النازحين، قال 34% إنهم تمكّنوا من العودة إلى منازلهم، مقابل 66% أفادوا بأنهم لم يعودوا حتى وقت تنفيذ الاستطلاع.
وعند السؤال عن سكن النازحين الحالي تظهر خريطة "سكن اضطراري" تعكس كيف يعيد المجتمع ترتيب نفسه تحت الضغط.
تظهر نقطة الانكشاف الأكثر حساسية في الصحة والدواء، إذ قال 71% من من المستجيبين إنهم لم يستطيعوا الحصول على الأدوية، وقال 72% إنهم لم يستطيعوا الحصول على الرعاية الطبية عندما احتاجوا إليها.
هنا تتحوّل الحرب من "قصفٍ" إلى "حياةٍ كاملة تحت الاختبار": ليس لأن الخطر يأتي من الجبهة فقط، بل لأن تعطّل الإمداد والخدمات يجعل الحاجة اليومية نفسها مصدر قلقٍ دائم.
وحين يصبح الدواء غير مضمون، تصبح الأمراض المزمنة، وإصابات الحرب، وأمراض الأطفال، كلها على تماسّ مباشر مع فكرة "النجاة".
وعندما يتجاور النزوح الداخلي مع انقطاع الضروريات وتزايد الانكشاف، يصبح سؤال الهجرة منطقيًا في خيال الناس، لا لأنه خيار "أفضل"، بل لأنه في أحيان كثيرة يبدو الخيار "الممكن".
على مستوى المؤشر، أفاد 50% من السودانيين أنهم يرغبون في الهجرة من بلدهم.