تواجه الصومال واحدة من أخطر أزماتها السياسية منذ سنوات، مع تصاعد انتهاج الرئيس حسن شيخ محمود سياسة تفرد بالسلطة وتجاهل متعمد لمبدأ التوافق الوطني، في سلوك وصفه خصومه بأنه يقوّض أسس النظام الفيدرالي ويعيد البلاد إلى نمط الحكم المركزي الذي كان أحد أسباب انهيار الدولة سابقاً.
وتكشف التطورات الأخيرة أن البلاد دخلت مرحلة من المواجهة السياسية المفتوحة بين الحكومة المركزية وعدد من الولايات الفيدرالية، في ظل رفض متزايد لقرارات الرئاسة، وحديث عن محاولة الرئيس فرض واقع سياسي جديد يخدم بقاء نظامه في السلطة، حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة الدولة واستقرارها.
رفض صريح لقرارات الرئاسة: بونتلاند تتحدى مقديشو
في تصعيد غير مسبوق، أعلنت ولاية بونتلاند قبل أيام رفضها القاطع الاعتراف بجدول انتخابي أصدرته السلطات الفيدرالية، مؤكدة أن القرار صدر بشكل أحادي دون أي توافق سياسي، وأنه يمثل تدخلاً سافراً في صلاحياتها الدستورية.
هذا الموقف كان رسالة سياسية واضحة بأن الثقة في قيادة حسن شيخ محمود وصلت إلى أدنى مستوياتها، وأن الولايات لم تعد مستعدة لقبول ما تعتبره محاولات لفرض إرادة السلطة المركزية بالقوة السياسية.
ويعكس هذا الرفض حجم الغضب المتصاعد داخل الأقاليم من سياسات الرئاسة، التي يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها تسعى إلى تقويض استقلالية الولايات وإخضاعها لهيمنة العاصمة مقديشو.
إصرار رئاسي على فرض الأمر الواقع رغم الاعتراضات
بدلاً من السعي إلى التهدئة أو فتح حوار شامل، أصر الرئيس ونظامه على المضي قدماً في خطط الانتخابات وفق رؤيتهم الخاصة، في خطوة اعتبرها معارضون دليلاً إضافياً على عقلية التفرد بالسلطة التي تحكم نهج الرئاسة.
ويرى منتقدون أن هذا الإصرار يعكس رغبة واضحة في التحكم بمسار العملية السياسية، عبر فرض قواعد انتخابية تمنح الحكومة المركزية نفوذاً أكبر، وتضعف قدرة الولايات على التأثير في مستقبل البلاد السياسي.
ويؤكد هؤلاء أن ما يحدث لا يمكن اعتباره مجرد خلاف سياسي عادي، بل يمثل صراعاً على طبيعة الدولة نفسها، بين نموذج فيدرالي قائم على الشراكة، ونموذج مركزي يسعى الرئيس إلى فرضه بالقوة السياسية.
أزمة ثقة عميقة وانهيار الشراكة السياسية
لم تأت الأزمة الحالية من فراغ، بل هي نتيجة مسار طويل من القرارات التي اتخذتها الرئاسة دون توافق وطني، ما أدى إلى تآكل الثقة بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية، خاصة جوبالاند وبونتلاند.
وتتهم قيادات هذه الولايات الرئيس بمحاولة إعادة تشكيل النظام السياسي بطريقة تضمن تركيز السلطة في يده، وتقليص نفوذ الأقاليم التي تمثل أحد أعمدة النظام الفيدرالي.
وقد أدى هذا النهج إلى شلل سياسي متزايد، حيث باتت الدولة عاجزة عن تحقيق توافق وطني حول قضايا أساسية، في مؤشر خطير على تفكك منظومة الحكم.
قرارات أحادية تعمّق الانقسام وتضع الدولة على المحك
يرى محللون أن نمط الحكم الذي يتبعه الرئيس حسن شيخ محمود يعتمد بشكل متزايد على اتخاذ قرارات أحادية دون اعتبار لمواقف الولايات أو المعارضة، وهو ما أدى إلى تصاعد التوترات السياسية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يدفع بعض الولايات إلى اتخاذ خطوات أكثر تصعيداً، قد تصل إلى حد تعليق التعاون مع الحكومة المركزية أو رفض سلطتها بشكل كامل، وهو سيناريو من شأنه أن يهدد وحدة الدولة.
ويؤكد مراقبون أن أخطر ما في هذه الأزمة ليس مجرد الخلاف السياسي، بل تآكل شرعية المؤسسات نتيجة فقدان الثقة في القيادة السياسية.
اتهامات بمحاولة إعادة إنتاج الحكم المركزي
أحد أخطر الاتهامات الموجهة للرئيس هو سعيه إلى إعادة تركيز السلطة في العاصمة، في تراجع واضح عن النظام الفيدرالي الذي تم تبنيه لمنع عودة الحكم المركزي المطلق.
ويرى منتقدو النظام أن هذا التوجه يعكس محاولة واضحة لتعزيز سلطة الرئاسة على حساب بقية مؤسسات الدولة، وهو ما يثير مخاوف من انزلاق البلاد نحو أزمة سياسية أعمق.
ويشير هؤلاء إلى أن تجاهل مبدأ التوافق، الذي يمثل حجر الأساس في النظام السياسي الصومالي، لا يمكن تفسيره إلا كجزء من استراتيجية تهدف إلى فرض السيطرة السياسية الكاملة على مفاصل الدولة.
نظام سياسي في مواجهة أخطر اختبار
اليوم، يقف الصومال أمام مفترق طرق حاسم، حيث باتت سياسات الرئاسة موضع رفض متزايد من قبل أطراف سياسية وإقليمية رئيسية، في ظل اتهامات متصاعدة للرئيس بإدارة الدولة بعقلية التفرد بالسلطة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات السياسية، ويهدد بتقويض ما تبقى من استقرار هش في بلد لا يزال يعاني من آثار عقود من الصراع والانهيار المؤسسي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية أكثر من مجرد خلاف سياسي، بل صراعاً على مستقبل الدولة نفسها، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن سياسات الرئيس ونظامه قد تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، قد تكون تداعياتها أكثر خطورة مما شهدته في السنوات الماضية.