بينما تتسارع التحولات في بغداد على وقع دعوات مقتدى الصدر لحلّ الأجنحة المسلحة وإبعاد القوى المرتبطة بالسلاح عن الحكومة، تمضي السلطة الجديدة بخطوات توصف بأنها الأخطر منذ سنوات لإعادة ضبط المشهد الأمني وحصر السلاح بيد الدولة.
ودعا زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، إلى دمج الفصائل المسلحة بمختلف مسمياتها تحت مسمى "جند الشعائر الدينية" وربطها بهيئة الحج والعمرة، مؤكداً استعداده لحلّ الأجنحة المسلحة لتياره في حال تنفيذ هذا الشرط واعتبار من يرفض خارجا عن القانون. كما أكد على عدم الاستعانة بـ"خلطة العطار" في تشكيل الكابينة الوزارية وإبعاد كل من له جناح مسلح منها إبعاداً تاماً، وتشكيل حكومة تلبي مطالب الشعب.
تعقيبا على هذا الموضوع يقول الكاتب السياسي والصحفي عامر السامرائي، لوكالة ستيب الإخبارية: "الطرح الذي تقدم به مقتدى الصدر يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة تشكيل جزء من الفعل الجماهيري/العقائدي المسلح داخل إطار جديد أقل صداماً مع الدولة شكلياً، لكنه أكثر قابلية للاستمرار بنيوياً.
ويضيف: "الفكرة في جوهرها لا تتعلق بتفكيك البنية المسلحة بقدر ما تتجه نحو إعادة تعريفها: نقلها من صيغة فصائل قتالية إلى صيغة تنظيم تعبوي ديني-اجتماعي. هذا النمط يقترب وظيفياً من نموذج الباسيج الإيراني، حيث لا تكون القوة مجرد تشكيل عسكري، بل شبكة اجتماعية واسعة تمتد إلى التعليم والمجتمع والفضاء العام".
ويتابع: "الإشكال هنا أن هذا التحول -إن تم- لا يعني بالضرورة تقليص النفوذ الأمني، بل قد يعني إعادة إنتاجه بصيغة أكثر تجذراً داخل المجتمع وأقل قابلية للرقابة المؤسسية. أي أننا أمام انتقال من سلاح ظاهر إلى بنية نفوذ موازية تعمل داخل المجال الاجتماعي والسياسي والأمني في آن واحد".
وبحسب السامرائي فإن الخطورة السياسية في مثل هذا المسار تظهر عندما تتحول هذه البنى إلى: ولاء تنظيمي يتجاوز الدولة أو يتوازى معها، شرعية عقائدية مستقلة عن القرار السيادي، غطاء قانوني يُشرعن نفوذاً أمنياً غير خاضع بالكامل للقيادة العسكرية الرسمية
في هذه الحالة، لا يكون الحديث عن تفكيك الميليشيات، بل عن إعادة تدويرها داخل شكل مؤسسي جديد من شأنه أن ينتج دولة أمنية موازية لا تقل خطورة عن ميليشيات الحشد الشعبي والأذرع المنظوية تحته مظلته لتعمل داخل الدولة لا خارجها.
تسريبات عن تحرك حكومي
تزامنا مع دعوة الصدر كشف مصدر مطلع، السبت، عن اتفاق الإطار التنسيقي مع رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي على تشكيل لجنة يقع على عاتقها نزع سلاح الفصائل المسلحة برئاسة رئيس الوزراء المكلف، وعضوية رئيس حكومة تصريف الاعمال محمد شياع السوداني ، ورئيس منظمة بدر هادي العامري.
وأوضح أن اللجنة ستشرف على تنفيذ آليات نزع سلاح الفصائل بيد الدولة، وتبويبها وفق قاعدة بيانات خاصة، الى جانب إعادة دمج عناصر الفصائل بمؤسسات الدولة المدنية او الامنية، وبما يحقق المصلحة العامة لجميع الاطراف.
حول هذه التسريبات يقول السامرائي فإن طرح تشكيل لجنة بهذا الوزن يُقرأ سياسياً بوصفه محاولة لإدارة ملف شديد الحساسية أكثر من كونه خطوة لحسمه.
ويضيف: "المشكلة ليست في العنوان بل في البنية: الأطراف المرشحة لقيادة أو إشراف هذا المسار هي نفسها أطراف مرتبطة عضوياً أو سياسياً بالمنظومة التي يُفترض أنها موضوع المعالجة، مثل محمد شياع السوداني وهادي العامري".
ويزيد: "من زاوية واقعية، هذا النوع من التشكيلات يميل إلى إنتاج إدارة أزمة لا حل أزمة. بمعنى أنه يفتح مساراً تفاوضياً طويل النفس، هدفه الأساسي تخفيف الضغط السياسي والداخلي والخارجي، أكثر من الذهاب نحو تفكيك فعلي لبنية الفصائل أو إعادة هيكلتها وفق منطق الدولة. لذلك يظهر كأنه أداة لشراء الوقت وإعادة ترتيب التوازنات، لا كخطة تنفيذية ذات سقف زمني واضح".
ويرى السامرائي بأن العقبة الجوهرية هنا هي تضارب المرجعيات: الدولة تريد احتكار السلاح نظرياً، بينما جزء من الفاعلين داخل اللجنة مرتبطون عملياً بمنظومة فصائلية قائمة، لذلك تصبح قدرة اللجنة على فرض قرارات ملزمة محدودة، حتى لو صيغت بأعلى لغة قانونية".
ويكمل: "وفي ظل ضغط أمريكي متزايد في عهد إدارة ترامب لإعادة ضبط ملف السلاح غير المنضبط، فإن أي مقاربة غير حاسمة ستبقى عرضة للاختبار والضغط المتواصل، ما يجعل سؤال إلى متى يمكن إدارة الوقت سؤالاً مفتوحاً أكثر من كونه تفصيلاً ثانوياً".
وختم السامرائي بالقول: "هذه ليست بداية تفكيك ملف بقدر ما هي محاولة لإعادة تدويره سياسياً ضمن سقوف لا تصطدم مباشرة مع موازين القوة القائمة. الأمر الذي يجعل باب التصعيد مفتوحاً على كل الاحتمالات من قبل إدارة واشنطن بما فيها الاستهداف المباشر لقيادات الأذرع الموالية لإيران".
ستيب نيوز: سامية لاوند
