دخلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التعقيد بعد الأنباء التي تحدثت عن تعليق طهران اتصالاتها غير المباشرة مع واشنطن، في تطور يأتي بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة واتساع رقعة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المسار التفاوضي وإمكانية انهياره خلال الفترة المقبلة.
وجاءت هذه التطورات بعد تقارير أشارت إلى أن إيران أوقفت تبادل الرسائل عبر الوسطاء احتجاجاً على استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معتبرة أن الظروف الحالية لا تسمح بالمضي قدماً في أي تفاهمات سياسية أو أمنية، في وقت تتواصل فيه الضغوط الأمريكية على طهران بشأن الملف النووي والأنشطة الإقليمية.
ورغم أن هذا التطور يُعدّ انتكاسة جديدة للمسار الدبلوماسي، فإن مراقبين يرون أن الحديث عن انهيار كامل للمفاوضات لا يزال سابقاً لأوانه، خصوصاً أن قنوات التواصل بين الجانبين اعتمدت منذ البداية على الوساطات غير المباشرة ولم تشهد في معظم مراحلها لقاءات مباشرة بين الوفدين الأمريكي والإيراني.
وفي هذا السياق، قال الباحث المختص بالشأن الإيراني إسلام المنسي، في تصريح خاص، لوكالة ستيب نيوز: إن "المفاوضات الإيرانية الأمريكية لم تصل بعد إلى طريق مسدود، رغم أنها مرت خلال مراحلها السابقة بالعديد من الأزمات والعقبات".
وأوضح المنسي أن "آلية التفاوض بين الطرفين تسمح بحدوث انسحابات تكتيكية أو تجميد مؤقت للاتصالات دون أن يعني ذلك انتهاء العملية التفاوضية بالكامل"، مشيراً إلى أن إيران سبق أن نفت وجود مفاوضات في مراحل سابقة، في الوقت الذي كانت تتلقى فيه رسائل أمريكية عبر وسطاء إقليميين ودوليين من بينهم قطر وتركيا وباكستان.
وأضاف أن "الحديث عن انسحاب إيراني كامل من المفاوضات قد لا يكون واقعياً في هذه المرحلة، لأن المفاوضات نفسها غير مباشرة وتعتمد أساساً على الوسطاء، وبالتالي يمكن أن تستمر الاتصالات والرسائل بعيداً عن الأضواء حتى في ظل التصريحات المتشددة المعلنة من الطرفين".
وتأتي هذه القراءة في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً متسارعاً، حيث توسعت العمليات الإسرائيلية في لبنان، فيما تبادلت الولايات المتحدة وإيران رسائل عسكرية مباشرة وغير مباشرة خلال الأيام الماضية، الأمر الذي زاد من الضغوط على المسار السياسي.
ويرى المنسي أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار حالة الجمود الحالية، مؤكداً أن "كلما تعثرت المفاوضات ووصلت إلى نقطة مسدودة ترتفع احتمالات اللجوء إلى ضربة عسكرية حاسمة وخاطفة، بينما تتراجع هذه الاحتمالات مع أي تقدم أو انفراجة دبلوماسية".
وأشار إلى أن "خيار الضربة العسكرية أصبح مطروحاً بقوة في المرحلة الراهنة إذا لم نشهد خلال الفترة القريبة المقبلة انفراجة سريعة أو تدخلاً فعالاً من الوسطاء لإعادة الأطراف إلى مسار التفاوض".
وتعكس هذه التقديرات حجم القلق الذي يحيط بالملف الإيراني حالياً، إذ تتزامن التحركات السياسية مع مؤشرات ميدانية متوترة في أكثر من ساحة إقليمية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي.
وفي المقابل، لا تزال الأطراف الوسيطة، تسعى إلى الحفاظ على الحد الأدنى من قنوات التواصل بين واشنطن وطهران، في محاولة لمنع انهيار الجهود الدبلوماسية التي شهدت خلال الأسابيع الماضية تقدماً محدوداً رغم استمرار الخلافات الجوهرية بين الجانبين.
وبينما تتضارب المؤشرات بين التصعيد العسكري ومحاولات التهدئة السياسية، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة، وما إذا كانت الأطراف ستنجح في إعادة إحياء قنوات التفاوض، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة قد تعيد خيار المواجهة العسكرية إلى واجهة المشهد من جديد.