أثار إعلان صوماليلاند تعيين سفير لدى إسرائيل، وما تبعه من حديث عن افتتاح تمثيل دبلوماسي في القدس، موجة إدانات عربية وإسلامية واسعة عبر بيان مشترك وقّعته عدة دول بينها السعودية ومصر وقطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، حيث اعتبر البيان الخطوة “غير قانونية” وتمثل انتهاكاً لوحدة وسيادة الصومال إضافة إلى مخالفتها للوضع القانوني للقدس.
لكن بعيداً عن البيانات الرسمية، تكشف التفاعلات القادمة من داخل صوماليلاند وعلى منصات التواصل صورة مختلفة تماماً، تعكس شعوراً متزايداً لدى شريحة واسعة من السكان بأن العالم العربي والإسلامي يتعامل مع قضيتهم بازدواجية معايير واضحة.
“أين كنتم طوال 34 عاماً؟”
منذ إعلان استعادة سيادتها عن الصومال عام 1991، نجحت صوماليلاند في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقرة نسبياً مقارنة بمحيطها المضطرب، لكنها بقيت خارج الاعتراف الدولي،ولهذا يرى كثير من أبناء صوماليلاند أن الأولوية بالنسبة لهم ليست الاصطفافات الأيديولوجية بل البحث عن اعتراف سياسي وشراكات اقتصادية وأمنية تضمن بقاء كيانهم.
وتكررت في النقاشات الصوماليلاندية تساؤلات حادة حول سبب تجاهل العالم العربي لمعاناتهم لعقود، ثم تحركه السريع فقط عندما ظهرت علاقة مع إسرائيل.
عدد كبير من الحسابات المؤيدة لصوماليلاند اعتبر أن الدول التي تدين الخطوة اليوم تربطها بالفعل علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، سواء عبر اتفاقيات تطبيع معلنة أو تعاون أمني واقتصادي، ما يجعل الهجوم على صوماليلاند ــ بحسب رأيهم ــ أقرب إلى “موقف سياسي انتقائي” لا إلى دفاع مبدئي عن فلسطين.
بين الواقعية السياسية والعزلة الدولية
بالنسبة لكثير من الصوماليلانديين، فإن العلاقة مع إسرائيل لا تُطرح بوصفها قضية أيديولوجية، بل كجزء من استراتيجية للخروج من العزلة الدولية الطويلة، فالإقليم المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم يسعى إلى جذب الاستثمارات وتعزيز حضوره الدبلوماسي، خصوصاً مع تصاعد التنافس الدولي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ويرى مؤيدو الخطوة أن الدول لا تُبنى بالشعارات بل بالمصالح والتحالفات، وأن صوماليلاند مضطرة للبحث عن أي نافذة تمنحها فرصة للظهور على الساحة الدولية، حتى لو أثار ذلك غضب أطراف إقليمية عديدة.
أزمة أعمق من مجرد سفارة
الجدل الدائر لا يتعلق فقط بإسرائيل أو القدس، بل يكشف فجوة متزايدة بين خطاب “التضامن الإسلامي” والمصالح الوطنية للدول والجماعات المختلفة.
ففي نظر قطاع من شعب صوماليلاند، لم تعد القضية الأساسية هي المواقف الرمزية، بل كيفية ضمان الاعتراف والبقاء والتنمية بعد أكثر من ثلاثة عقود من العزلة السياسية.
أما خصوم الخطوة، فيرون أن أي مكاسب سياسية محتملة لا تبرر تجاوز حساسية ملف القدس أو تهديد وحدة الصومال.
وبين هذين المنظورين، تتحول قضية صوماليلاند إلى مثال جديد على صراع المصالح والهويات في منطقة تعيش إعادة تشكيل متسارعة لتحالفاتها السياسية.