لعقود طويلة، تعاملت الأجهزة الأمنية العالمية مع الإرهاب وكأنه جزر منعزلة وملفات متفرقة تحمل أسماء ورايات مختلفة. لكن وثيقة أمريكية حديثة جاءت لتقلب هذا المفهوم رأساً على عقب، كاشفةً أن العالم كان يحارب "أغصاناً" مختلفة لشجرة واحدة، زُرعت بذرتها قبل قرن من الزمان، لتفرخ عشرات التنظيمات وتنفذ آلاف العمليات الدموية.
من البنا إلى الزرقاوي.. شجرة دم تمتد لقرن من الزمان
تفكك الوثيقة الجذور التاريخية للإرهاب، لتعود بالزمن إلى عام 1928؛ حيث تؤكد أن مشروع "تنظيم الإخوان" الذي أسسه حسن البنا لم يكن يوماً مجرد حركة دعوية، بل كان مشروعاً سياسياً بغطاء ديني، أسس لمرحلة تكفير المجتمع وبرر الصدام المسلح مع الدولة.
ومن داخل هذا الرحم الفكري، برزت سلسلة التوريث الأيديولوجي الأخطر في العصر الحديث:
سيد قطب: الذي التقط الفكرة وصاغ منها ما يُعرف بـ "فقه التكفير".
أيمن الظواهري وأسامة بن لادن: حيث تشرب الظواهري أدبيات قطب، ونقلها لابن لادن، ليُخرجوا للعالم تنظيم "القاعدة".
أبو مصعب الزرقاوي: الذي خرج من عباءة القاعدة في العراق، ليضع حجر الأساس للتنظيم الأشد دموية والذي عُرف لاحقاً باسم "داعش".
"سلسلة إمداد" الموت.. هكذا يتحول الخطاب إلى عبوة ناسفة
تنظر المقاربة الأمريكية الجديدة إلى هذه التنظيمات باعتبارها منظومة متكاملة تعمل وفق آلية تشبه "سلسلة الإمداد" التجارية، لكن بضائعها هي الموت والخراب.
تبدأ هذه السلسلة المعقدة بنشر "الفكرة" عبر خطاب تعبوي يبدو في ظاهره دينياً أو اجتماعياً، لتتحول سريعاً إلى عمليات استقطاب وتجنيد. ولا يقف الأمر عند المنفذ الذي يفجر نفسه، بل يمتد ليشمل شبكة ضخمة من الواجهات الخيرية المزعومة، والجمعيات الدعوية، والمنصات الإعلامية التي تمول الخلايا النائمة بانتظار ساعة الصفر لتنفيذ الهجمات.
من محطة السودان إلى شوارع أوروبا.. جغرافيا الخراب تتمدد
لم يبقَ هذا الفكر المتطرف حبيس الجغرافيا المصرية، بل وجد في جبال أفغانستان بيئة خصبة للنمو. وتلفت الوثيقة الانتباه إلى حقبة التسعينيات، عندما وفر نظام عمر البشير في السودان ملاذاً آمناً لقيادات كابن لادن، لتتحول الخرطوم حينها إلى محطة استراتيجية انتقلت عبرها الفكرة إلى شبكة عمليات عابرة للحدود.
اليوم، تحذر الوثيقة من تحولات جغرافية مرعبة؛ فبينما أعادت "القاعدة" ترتيب أوراقها في اليمن، تنشط فروع الإرهاب بشراسة في أفريقيا (دول الساحل، الصومال، نيجيريا). أما الخطر الأكبر فيتمثل في صعود "داعش خراسان" في آسيا الوسطى، بالتزامن مع تحول دول أوروبا من مجرد أهداف للهجمات، إلى "ساحات خلفية" خصبة للتجنيد واحتضان الخلايا النائمة.
استئصال الجذر.. الحل الوحيد المتبقي
رغم الخسائر الميدانية الفادحة وسقوط مناطق سيطرة هذه التنظيمات، تؤكد التقديرات الأميركية أن الخطر لم يتبدد بل غيّر شكله وموقعه. وتخلص الوثيقة إلى استنتاج حاسم يغير قواعد اللعبة: مواجهة الإرهاب لم تعد تقتصر على اصطياد المنفذين في ساحات المعارك، بل تتطلب استئصال المنظومة بأكملها "من الجذر حتى آخر فرع". فمهما تغيرت الجغرافيا أو تبدلت ألوان الرايات، ستبقى الفكرة الأولى هي المصنع الذي يغذي هذا الخراب المستمر.