تستعد إيران لدخول مرحلة جديدة ومعقدة بعد أشهر من الحرب والتوترات الإقليمية، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول التحديات الاقتصادية والاجتماعية إلى الاختبار الأكبر أمام السلطات الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.
وفي الوقت الذي نجحت فيه القيادة الإيرانية في الحفاظ على قدر من التماسك الداخلي خلال فترة الحرب، تشير تقارير دولية إلى أن مرحلة ما بعد النزاع قد تفرض ضغوطاً أكثر تعقيداً، مع استمرار معدلات التضخم المرتفعة، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتزايد المطالب الشعبية بتحسين الأوضاع المعيشية وتخفيف القيود الداخلية.
وقالت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية إن النقاشات داخل الأوساط السياسية والفكرية الإيرانية بدأت تتجه نحو رسم ملامح المرحلة المقبلة، في ظل سعي النظام إلى تحويل حالة الوحدة التي فرضتها الظروف الأمنية إلى استقرار سياسي طويل الأمد.
وبحسب الصحيفة، يدور جدل متزايد داخل إيران حول المسار الذي ينبغي أن تسلكه البلاد بعد انتهاء الحرب، إذ تدعو بعض التيارات إلى تبني سياسات أكثر انفتاحاً على المستويين السياسي والاقتصادي، بينما يرى آخرون أن الأولوية يجب أن تتركز على تعزيز الاستقلال الوطني وتقوية الاقتصاد المحلي بعيداً عن الضغوط الخارجية.
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، إذ يُنظر إلى ملف العقوبات الاقتصادية والأصول الإيرانية المجمدة باعتباره أحد العوامل الرئيسية التي ستحدد قدرة الاقتصاد الإيراني على التعافي خلال السنوات المقبلة.
ورغم الحديث عن احتمالات تخفيف بعض العقوبات، فإن خبراء اقتصاديين إيرانيين يرون أن أي انفراج محتمل لن يكون كافياً لتعويض الخسائر الضخمة التي خلفتها الحرب، والتي يُقدّر حجمها بنحو 270 مليار دولار، شملت أضراراً واسعة في البنية التحتية وقطاعات الطاقة والصناعة والإسكان والخدمات العامة.
وفي هذا السياق، حذر أستاذ علم الاجتماع الإيراني فؤاد حبيبي من أن الأسباب التي أدت إلى موجات الاحتجاج السابقة لم تختفِ، بل ازدادت حدة بفعل تداعيات الحرب والضغوط الاقتصادية المتراكمة.
وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد معدلات البطالة تمثل عوامل قد تعيد إنتاج حالة الاحتقان الاجتماعي، لافتاً إلى أن ملايين الإيرانيين تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بالتداعيات الاقتصادية والقيود المفروضة على الإنترنت والأنشطة الاقتصادية.
وتبرز أزمة التضخم كواحدة من أخطر التحديات التي تواجه البلاد، حيث سجلت أسعار المواد الغذائية مستويات قياسية. ووفقاً لبيانات المركز الإحصائي الإيراني، بلغ معدل التضخم السنوي للمواد الغذائية خلال شهر مايو نحو 130 بالمئة، فيما تجاوز التضخم في أسعار اللحوم والدواجن 176 بالمئة.
وأثارت هذه الأرقام مخاوف متزايدة لدى المختصين في القطاع الصحي، الذين حذروا من اتساع دائرة سوء التغذية بين الأسر محدودة الدخل، في ظل اضطرار كثير من العائلات إلى تقليص استهلاك منتجات أساسية نتيجة الارتفاع الحاد في الأسعار.
وفي تحذير لافت، اعتبر وزير الاتصالات الإيراني السابق محمد جواد آذري جهرمي أن التحدي المقبل أمام البلاد قد لا يكون عسكرياً، بل اقتصادياً، مشيراً إلى أن التضخم وتكاليف المعيشة قد يشكلان التهديد الأكبر للاستقرار الداخلي خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه، واصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الدعوة إلى الحفاظ على التماسك الوطني، محذراً من صعوبات اقتصادية متوقعة، ومشدداً على أهمية التعاون بين مختلف مؤسسات الدولة لمواجهة تداعيات المرحلة المقبلة.
كما يواجه قطاع الطاقة تحديات إضافية، مع تزايد المخاوف من حدوث انقطاعات في التيار الكهربائي نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. وبينما نفت وزارة الطاقة وجود خطط رسمية لبرامج تقنين واسعة للكهرباء، دعا مسؤولون اقتصاديون المواطنين إلى الاستعداد لإجراءات ترشيد قد تشمل فترات انقطاع يومية بهدف الحفاظ على استمرارية الإنتاج.
وفي المقابل، بدأت مؤشرات التململ الشعبي بالظهور تدريجياً مع تخفيف القيود المفروضة على الإنترنت، وهي خطوة أثارت بدورها جدلاً سياسياً داخلياً بين التيارات المحافظة والإصلاحية بشأن مستقبل السياسات العامة في البلاد.
ويرى مراقبون أن الرهان الإيراني الأكبر في مرحلة ما بعد الحرب لا يقتصر على تحقيق تسويات سياسية أو تفاهمات نووية مع الغرب، بل يتمثل في القدرة على تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة ثقة الشارع، في ظل تحديات معيشية متصاعدة قد تجعل مرحلة السلام أكثر تعقيداً من مرحلة الحرب نفسها.