"كنا نعيش داخل وهم كبير"... هذا ما قاله فلسطيني لأبنائه

"كنا نعيش داخل وهم كبير"... هذا ما قاله فلسطيني لأبنائه - رأي عدي الصالحي - وكالة ستيب نيوز

قبل أيام، كنت أتحدث مع أحد أقاربي من الضفة الغربية، رجل تجاوز الخمسين بقليل، عاش معظم عمره داخل تفاصيل القضية الفلسطينية بكل تناقضاتها الثقيلة؛ الاعتقال، الإصابة، المطاردة، والانخراط الكامل في خطاب سياسي وديني كان يبدو له في شبابه حقيقة مطلقة لا يمكن التشكيك بها.

لكن ما قاله هذه المرة كان مختلفاً تماماً

لم يتحدث بلغة الشعارات، ولا بلغة الحماسة القديمة، بل بدا وكأنه يقوم بعملية مراجعة طويلة لعمر كامل، قال لي بهدوء.:

“كنت أعيش في وهم كبير منذ خمسين عاماً”

لم يكن يقصد أن كل ما آمن به كان كذباً بالمعنى المباشر، بل كان يقصد شيئاً أعمق: أنه عاش داخل فكرة ضخمة ابتلعت حياته الشخصية بالكامل، فكرة جعلت الإنسان يؤجل حياته دائماً بانتظار “المعركة الكبرى” أو “التحرير النهائي” أو “اليوم الحاسم”

الأكثر لفتاً أن حديثه لم يكن سياسياً فقط، بل دينياً أيضاً

قال إن جزءاً كبيراً من المشكلة أن أجيالاً كاملة تربّت على تصور أن الصراع ليس صراعاً سياسياً قابلاً للحل أو التفاوض، بل معركة ممتدة إلى "يوم الدين"، معركة مقدسة لا تنتهي إلا بنهاية العالم نفسها، وحين يتحول أي صراع إلى قضية دينية نهائية، يصبح من الصعب جداً التفكير بمنطق الحياة اليومية أو التسويات أو حتى مصلحة الناس العاديين.

كان يرى أن هذه الفكرة بالتحديد ساهمت في إبقاء الناس داخل حالة تعبئة دائمة، وكأن الإنسان مطلوب منه أن يعيش حياته كلها مؤقتاً بانتظار حدث تاريخي كبير قد لا يأتي أبداً.

ثم قال شيئاً أكثر حساسية وصراحة:

“نحن كنا نكره إسرائيل بالكلام… لكن كثيرين في الداخل كانوا معجبين بها بالنظام”

تحدث بإعجاب واضح عن طريقة إدارة الحياة هناك؛ احترام الوقت، قوة المؤسسات، قيمة العمل، والخوف الكبير على حياة الإنسان، قال إنه صُدم مع الوقت من الفارق بين المجتمعات التي تبني نفسها حول فكرة الحياة، والمجتمعات التي تعيش دائماً على حافة الصراع والانهيار.

لم يكن يقارن من زاوية سياسية أو أخلاقية بقدر ما كان يقارن بين نمطين من التفكير:

مجتمع يسأل كيف يطور اقتصاده ويحمي مواطنيه، ومجتمع يعيش مستنزفاً داخل الشعارات والحروب والانقسامات.

حتى إنه قال شيئاً بدا قاسياً جداً لكنه واقعي في نظره:

"كثير من الفلسطينيين كانوا يشعرون بالسعادة الحقيقية يوم يحصلون على تصريح عمل داخل إسرائيل"

هذه الجملة وحدها تكشف التناقض الكبير الذي عاشه المجتمع الفلسطيني لعقود، في العلن خطاب سياسي حاد وعداء دائم، لكن في الحياة اليومية كان تصريح العمل بالنسبة لكثير من العائلات بمثابة باب نجاة اقتصادي حقيقي.

قبل السابع من أكتوبر، كان آلاف العمال الفلسطينيين يعبرون يومياً للعمل داخل إسرائيل أو في المستوطنات، بالنسبة لكثيرين لم يكن الأمر مرتبطاً بالأيديولوجيا، بل بالحياة نفسها، الراتب هناك كان قادراً على بناء بيت، تعليم الأبناء، شراء سيارة، أو حتى منح العائلة شعوراً نادراً بالاستقرار.

قال لي إن بعض الرجال كانوا يعودون إلى بيوتهم بفرحة حقيقية بعد الحصول على تصريح العمل، لأن ذلك يعني ببساطة أن عائلاتهم ستعيش بشكل أفضل.

ثم جاء السابع من أكتوبر، وتغيّر كل شيء

توقفت التصاريح، انهارت مصادر دخل ضخمة، وبدأت موجة غضب واسعة داخل المجتمع، ليس فقط بسبب الوضع الاقتصادي، بل بسبب الشعور بأن الناس العاديين هم دائماً من يدفع الثمن الأكبر.

تحدث بوضوح عن ازدياد السخط الشعبي على حماس، خصوصاً بعد الحرب وما تبعها من دمار هائل وانهيار اقتصادي وإنساني، قال إن كثيراً من الناس بدأوا يسألون سؤالاً بسيطاً لكنه خطير: ماذا كانت النتيجة الفعلية لكل هذا؟

ليس لأن الناس تخلت فجأة عن القضية الفلسطينية، بل لأن حجم الخسارة أصبح أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال، ولأن فكرة “الانتصار” نفسها أصبحت أكثر غموضاً بالنسبة لكثيرين ممن يعيشون الواقع اليومي بكل قسوته

الأمر اللافت أيضاً أنه تحدث بحنين غريب عن مرحلة اتفاق أوسلو

قال إن أفضل سنتين عاشهما الفلسطينيون كانتا بعد اتفاق أوسلو وحتى اغتيال إسحاق رابين، وقتها كان الناس يشعرون، ولو للحظة قصيرة، أن هناك مستقبلاً ممكناً، الاقتصاد تحسن نسبياً، الحركة كانت أسهل، الأمل كان موجوداً، والناس بدأت تفكر بالحياة الطبيعية أكثر من التفكير بالحرب المستمرة.

ربما لم تحقق أوسلو وعودها السياسية الكبرى، وربما انهارت لاحقاً، لكن بالنسبة لكثير من الناس العاديين بقيت تلك المرحلة مرتبطة بشعور نادر بالاستقرار النسبي وإمكانية بناء حياة طبيعية.

في نهاية الحديث عاد إلى الفكرة نفسها التي كررها أكثر من مرة:

“لا أريد لأولادي أن يعيشوا ما عشته”

لم يكن يتحدث كسياسي أو كمحلل، بل كإنسان يشعر أن عمره مرّ داخل دوامة طويلة من الشعارات والخسارات والانتظار، ولهذا لم يعد يريد لأبنائه أن يحملوا العالم على أكتافهم، بل فقط أن يعيشوا.

وربما هنا تكمن القصة الحقيقية التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها، بعد عقود طويلة من الصراع، بدأ جزء من الناس في المنطقة يسأل سؤالاً مختلفاً تماماً عن كل الشعارات القديمة.:

هل يمكن للإنسان أن يختار الحياة… دون أن يشعر بالخيانة؟.

 

ملاحظة|| الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الوكالة.