كثيراً ما تتردد العبارة الشهيرة «عدو عدوي صديقي»، وتبدو هذه القاعدة في ظاهرها منطقية، خصوصاً في أوقات الصراع الحاد حين تبحث الشعوب عن أي قوة يمكن أن تواجه خصمها المباشر، لكن السؤال الأهم يبقى: هل هذه القاعدة صحيحة دائماً، أم أنها تبسيط مخلّ للسياسة والتاريخ.
في خضم الصراع الذي تشهده المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برز في الشارع العربي خطاب متعاطف مع إيران لدى بعض الفئات انطلاقاً من هذه القاعدة تحديداً، فبما أن إيران تعادي إسرائيل والولايات المتحدة يرى البعض أنها تقف في الخندق نفسه مع العرب، غير أن هذا الاستنتاج يستحق مراجعة هادئة تستند إلى الوقائع لا إلى الشعارات.
لا يختلف كثيرون في العالم العربي على اعتبار إسرائيل خصماً تاريخياً، وهذه مسألة لها سياقها السياسي والتاريخي المعروف، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا عن إيران، وهل يكفي أن تكون في مواجهة مع خصمك حتى تتحول تلقائياً إلى حليف، أم أن تقييم العلاقات الدولية يتطلب النظر أولاً إلى الأفعال والسياسات الفعلية على الأرض وتأثيرها المباشر على الدول والشعوب العربية وليس فقط إلى الاصطفافات الظرفية أو الشعارات المشتركة.
منذ قيام النظام الإيراني بعد الثورة عام 1979 اتخذت السياسة الخارجية الإيرانية مساراً يقوم على فكرة «تصدير الثورة»، ولم يبقَ هذا التوجه مجرد خطاب أيديولوجي بل تحول مع مرور الوقت إلى شبكة من النفوذ السياسي والعسكري في عدد من دول المنطقة، وقد شهدت المنطقة منذ ذلك الحين سلسلة من الأحداث التي كان لإيران دور مباشر أو غير مباشر فيها، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وصولاً إلى تنامي نفوذ الميليشيات المرتبطة بطهران في أكثر من ساحة عربية، وكثيراً ما تفاخر مسؤولون إيرانيون بالحديث عن النفوذ في عدة عواصم عربية في خطاب يعكس رؤية توسعية للنفوذ الإقليمي.
في سوريا مثلاً يعرف كثير من السوريين الدور الذي لعبته إيران والميليشيات المرتبطة بها خلال سنوات الحرب، وهو دور ترك آثاراً عميقة على المجتمع والاقتصاد والبنية السياسية، وفي العراق ولبنان واليمن أيضاً أصبح الحديث عن النفوذ الإيراني جزءاً أساسياً من النقاش السياسي الداخلي في تلك الدول حيث يرى منتقدو هذا النفوذ أنه ساهم في تعقيد الأزمات وتعميق الانقسامات الداخلية.
لكن المفارقة أن هذه الوقائع كثيراً ما تغيب عن النقاش الشعبي عندما يشتد الصراع بين إيران وخصومها الدوليين، وهنا يدخل عامل آخر في تشكيل الرأي العام وهو الخطاب الأيديولوجي، فخلال الأزمات الأخيرة برز خطاب لدى بعض التيارات السياسية والإعلامية يحاول تصوير الصراع على أنه مواجهة دينية بين «معسكر الإيمان» و«معسكر الكفر»، وهو خطاب يختزل السياسة في ثنائية عقائدية مبسطة ويستبدل تحليل المصالح الوطنية بنقاشات رمزية وشعاراتية.
مثل هذا الخطاب لا يساعد المجتمعات على فهم تعقيدات الواقع السياسي بل يدفعها إلى الاصطفاف العاطفي، وعندما تتحول السياسة إلى معركة رمزية بين الخير والشر يصبح من السهل تجاهل الوقائع التاريخية أو المصالح الوطنية لكل دولة، وهنا تحديداً تظهر خطورة القاعدة البسيطة "عدو عدوي صديقي".
إن التعامل مع الصراعات الإقليمية يتطلب قراءة أبعد من الشعارات، فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس من يعادي عدوي، بل ما هي سياسات هذا الطرف وما أثرها على استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.
في النهاية ربما يكون الدرس الأهم أن الشعوب التي تريد حماية مصالحها لا تستطيع أن تبني مواقفها السياسية على ردود الفعل أو العواطف، فالعلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الصداقة والعداوة الشخصية بل بمنطق المصالح والتوازنات والوقائع، ولهذا قد يكون من الأدق القول إن عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي بل قد يكون في بعض الأحيان خصماً آخر بوجه مختلف.
ملاحظة|| الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الوكالة.