في خطوة وُصفت بأنها الأهم في مسار التهدئة بين واشنطن وطهران منذ اندلاع الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، أعلن الجانبان الأمريكي والإيراني توقيع مذكرة التفاهم التي ترسم إطاراً لإنهاء الصراع وبدء مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية والاقتصادية والنووية.
وأظهر مقطع فيديو نشره البيت الأبيض على منصة "إكس" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يوقع مذكرة التفاهم الخاصة بإيران خلال وجوده في قصر فرساي بفرنسا، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وعدد من المسؤولين الأمريكيين والفرنسيين.
وأرفق البيت الأبيض الفيديو بتعليق جاء فيه: "وقّع الرئيس دونالد ترامب مذكرة التفاهم بشأن إيران في فرساي بفرنسا"، في إشارة إلى دخول الاتفاق مرحلة التنفيذ العملي بعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر السياسي.
وخلال مراسم التوقيع، وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الاتفاق بأنه "لحظة محورية للغاية في التاريخ"، فيما أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالخطوة قائلاً: "عمل جيد وعظيم".
وفي طهران، نشرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" صوراً للرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أثناء توقيعه مذكرة التفاهم، قبل أن يرفع الوثيقة مظهراً توقيعه إلى جانب توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مشهد اعتبره مراقبون رمزياً يعكس حجم التحول الذي شهدته العلاقات بين البلدين خلال الأسابيع الأخيرة.
وأكدت السلطات الإيرانية أن الوثيقة أصبحت موقعة رسمياً من أعلى المستويات السياسية في البلدين، ما يمنحها ثقلاً قانونياً وسياسياً أكبر من الاتفاقات السابقة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن صياغة نص "مذكرة تفاهم إسلام آباد" انتهت بشكل كامل بعد توقيع الرئيسين عليها، مضيفاً أن المرحلة المقبلة ستتركز على اختبار مدى التزام الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وأوضح بقائي أن طهران فضلت توقيع الوثيقة مباشرة من قبل الرئيسين بدلاً من الاكتفاء بتوقيعها من قبل المفاوضين أو الوزراء، مشيراً إلى أن هذا الخيار يجعل كلفة عدم الالتزام ببنود الاتفاق أعلى بكثير بالنسبة للطرفين.
وفي الوقت نفسه، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي لعبت بلاده دور الوسيط الرئيسي في المفاوضات، أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ فور توقيعه من قبل الجانبين، رغم استمرار الاستعدادات لإقامة مراسم رسمية رمزية يوم الجمعة.
وأضاف أن المفاوضات الفنية والتفصيلية بين الولايات المتحدة وإيران ستبدأ غداً في سويسرا، ضمن جدول زمني يمتد ستين يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي شامل.
وكانت الحكومة السويسرية قد أعلنت سابقاً عن استضافة مراسم توقيع رسمية في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن، إلا أن توقيع الرئيسين على النص النهائي أدى فعلياً إلى بدء تنفيذ الاتفاق قبل الموعد المقرر للاحتفال الرسمي.
وتتضمن مذكرة التفاهم سلسلة من الالتزامات المتبادلة بين الجانبين، إذ وافقت الولايات المتحدة على تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ، على أن يجري رفع بقية العقوبات بشكل كامل إذا نجحت المفاوضات النهائية خلال فترة الستين يوماً المحددة.
في المقابل، تلتزم إيران بإعادة فتح الملاحة البحرية بشكل كامل في مضيق هرمز خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً، وهو ما يُعدّ أحد أهم البنود بالنسبة للأسواق العالمية، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه المضيق في حركة تجارة الطاقة الدولية.
ويُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما جعل إغلاقه خلال الأشهر الماضية أحد أبرز أسباب اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار عالمياً.
كما تنص المذكرة على إطلاق مفاوضات تفصيلية بشأن البرنامج النووي الإيراني، بهدف التوصل إلى ترتيبات طويلة الأمد تضمن عدم تطوير أسلحة نووية، مقابل حصول إيران على مزايا اقتصادية واستثمارية واسعة.
ويتضمن الاتفاق أيضاً إنشاء صندوق خاص لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً، وهو المشروع الذي جرى الحديث عنه خلال الأيام الماضية باعتباره أحد أهم الحوافز الاقتصادية المرتبطة بإنجاح التسوية السياسية بين الطرفين.
ويرى مراقبون أن توقيع المذكرة يمثل نقطة تحول كبيرة في المشهد الإقليمي، خصوصاً أنه يأتي بعد أشهر من المواجهات العسكرية التي هددت بتوسيع نطاق الحرب في الشرق الأوسط، وأثارت مخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومع بدء سريان الاتفاق رسمياً، تتجه الأنظار الآن إلى جولة المفاوضات الفنية المرتقبة في سويسرا، والتي ستحدد ما إذا كانت مذكرة التفاهم الحالية ستتحول إلى اتفاق نهائي يعيد رسم العلاقة بين واشنطن وطهران، أم أنها ستواجه عقبات قد تعرقل تنفيذ بنودها خلال المرحلة المقبلة.