يشهد العراق جدلاً متصاعداً حول مستقبل ميليشيا "الحشد الشعبي" وموقعها في الدولة، في ظل محاولات دفع قانون جديد ينظّم وضعها، وسط صراع نفوذ داخلي وخارجي يمتد من طهران إلى واشنطن، وقد يصل بكين، وفي حديث مع وكالة ستيب نيوز يرى الدبلوماسي العراقي السابق الدكتور محمود المسافر أن "المسألة أكبر من مجرد تشريع قانوني"، معتبراً أن مرور القانون أو تعطيله مرهون بتوازنات القوى الإقليمية والدولية.
قوة متجذرة بعد عقد من التأسيس
الحشد الشعبي تأسس رسميًا في 13 حزيران/يونيو 2014، بعد فتوى "الجهاد الكفائي" التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني عقب اجتياح تنظيم "داعش" مدينة الموصل وأجزاء واسعة من شمال العراق.
وفي البداية كان الحشد عبارة عن تشكيلات متطوعين قاتلت إلى جانب القوات الأمنية العراقية، لاحقًا، وبموجب قانون رقم 40 لسنة 2016 الذي أقره البرلمان العراقي، تم الاعتراف بالحشد الشعبي كهيئة رسمية ضمن المنظومة الأمنية العراقية تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة.
يرى الدكتور محمود المسافر أن الحشد الشعبي لم يعد مجرد ذراع إيراني كما كان عند التأسيس، بل تحوّل إلى كيان معقّد وصعب التجاوز.
ويقول: "بعد أكثر من عشر سنوات على التأسيس، أصبح الحشد قوة ضاغطة حقيقية داخل العراق. لم يعد فقط ذراعاً لإيران، بل بات يمتلك أموالاً ضخمة، وميليشياته لديها مكاتب اقتصادية وسلاح يجعلها قوة مالية وسياسية شبيهة بحزب الله في لبنان".
ويضيف أن الحشد يسعى من خلال القانون الجديد إلى تثبيت موقعه داخل الدولة: "القانون يريده الحشد نفسه لأنه يعتبر نفسه جزءاً من واقع القوة في العراق، ويريد تأمين رواتب وتقاعد لعناصره من الدولة بدلاً من الحشد، لتخفيف الأعباء المالية عن مكاتبه الاقتصادية".
القانون الجديد تحت المجهر
المشروع المطروح عام 2025 يُقدَّم كتعديل على قانون 40 لسنة 2016 الذي نظّم "هيئة الحشد الشعبي" وجعلها جزءاً من المنظومة الأمنية. التعديلات تهدف إلى ترسيم أوسع لموقع الحشد داخل مؤسسات الدولة، مع بنود تتعلق بالإحالة إلى التقاعد لقيادات كبرى وإنشاء أطر مهنية وأكاديمية. لكن حساسية القانون تكمن في أنه يمنح الحشد وضعاً مؤسسياً دائماً، ما أثار اعتراضات واسعة.
ففي تموز/يوليو الماضي، دُفع القانون للقراءة الثانية وسط انسحابات واعتراضات سنّية وكردية على طريقة إدراجه، ثم في أواخر آب/أغسطس سُحب مؤقتاً من جدول البرلمان تحت ضغط أميركي وتحذيرات بعقوبات إذا مُرِّر بصيغته الحالية. واشنطن اعتبرت أن تمريره سيشكل "خطاً أحمر" ويهدد إدماج بغداد إقليمياً.
واليوم نقلت وكالة الأنباء العراقية عن النائب عن ائتلاف دولة القانون ثائر مخيف الجبوري تأكيده أن الكتل السياسية، توصلت إلى شبه اتفاق، خلال الأيام الماضية، على إقرار قانون الحشد الشعبي بصيغة جديدة، مبينًا أنه: "تم التوصل إلى صيغة وسطية للقانون، ليست كما يرغب الحشد الشعبي، والرافضون لإقرار القانون".
واشنطن وبغداد بين التوافق والصدام
أما عن احتمال الوصول إلى تفاهمات بين بغداد وواشنطن بشأن هذا القانون، فيوضح المسافر أن القضية أعمق.
ويقول: "جوهر المسألة هو تقليم أظافر إيران. الحشد تأسس أساساً كجناح عسكري مرتبط بالأحزاب الولائية لإيران، وهو نسخة مطوّرة من الحرس الثوري وحزب الله، لكنه يختلف عنهم لأنه ليس تنظيماً موحّداً بل أكثر من سبعين فصيلاً لكل منها مصالحه وسلاحه".
ويتابع: "هذا التعقيد يجعل التعامل مع الحشد أصعب من التعامل مع حزب الله أو الحوثيين، وربما دفع واشنطن للتفكير بالانسحاب من العراق تمهيداً لمرحلة دموية مقبلة".
التعديلات.. اختبار للتوافقات الدولية
وحول التعديلات المطروحة على القانون، يلفت المسافر إلى أن الأمر مرتبط بتوازنات خارجية.
ويقول: "إذا صدرت التعديلات فهذا يعني أن هناك توافقات أمريكية – إيرانية. لكن حتى الآن لم أرَ مؤشرات على هذه التوافقات. الأحداث اليومية تشير إلى أن شيئاً كبيراً سيحدث في المستقبل القريب".
المعطيات الأخيرة تؤكد بدورها غياب أي توافق أمريكي–إيراني بشأن مستقبل الحشد. بل إن التجميد الحالي للمشروع في البرلمان يعكس حجم الضغوط المتعارضة، ويمنح بغداد فسحة تفاوضية لكنها غير كافية لحل جذري.
الحشد بين الاقتصاد والمخدرات
فيما يتعلق بمدى التزام الحشد بالقانون الجديد، بدا المسافر حاسماً، حيث يرى أن "لا يوجد نهائياً أي حل سلمي. المليشيات أصبحت تايكونات اقتصادية كبرى، تملك جامعات وبنوكاً وتسيطر على تجارة المخدرات الداخلية والخارجية، فضلاً عن السلاح. لا يمكن تجريدها من هذه القوة بقرار سياسي".
عقدة السلاح بيد الدولة
أما عن مهمة حصر السلاح بيد الدولة، وهو الأمر الذي تطلبة واشنطن من العراق فيقول: "إيران ترفض أن يكون السلاح حصراً بيد الدولة، سواء في اليمن مع الحوثيين أو في لبنان مع حزب الله أو في العراق مع الحشد. السبب أن الدولة المركزية القوية تميل نحو الغرب، بينما الدولة الضعيفة المفككة تبقي مصالح إيران قوية عبر المليشيات".
وضرب مثالاً باغتيال رفيق الحريري في لبنان: "كان الهدف خلق حالة من الفوضى بعد أن شهدت الدولة نوعاً من الاستقرار المركزي، لأن ذلك أضعف تجارة المخدرات وسيطرة حزب الله. نفس السيناريو مطلوب في العراق حتى تستمر مصالح إيران وأدواتها".
إيران بين التوسع الإقليمي والصراع الدولي
وحول إمكانية قبول طهران بتحجيم نفوذها في العراق من خلال تحجيم دور أذرعها.
يقول المسافر: "إيران لديها مشروع إقليمي يقودها إلى وضع دولي خاص يجعل كلامها مسموعاً. حتى الآن لم تتنازل ولم تتراجع. الأيام المقبلة ستبين إن كانت ستظل قوية بما يكفي لرفض كل المشاريع التي تقلل من أذرعها، أو أنها ستدخل في اتفاقات مع الولايات المتحدة".
ويربط المسافر مستقبل العراق بمشروع الصين في المنطقة: "إيران يُنظر إليها كامتداد للمشروع الصيني، وبدونها لا يمكن لخط الحرير أن يصل إلى البحر الأبيض المتوسط. واشنطن اليوم تعمل على تقزيم هذا المشروع عبر تحييد العراق والضغط على إيران نفسها. أي تغييرات كبرى في إيران قد تعني موت المشروع الصيني في مهده".
وتُظهر قراءة تصريحات الدكتور محمود المسافر متقاطعة مع المعطيات الميدانية أن قانون الحشد الشعبي ليس سوى واجهة لصراع أوسع بين واشنطن وطهران. فالحشد لم يعد مجرد "تشكيل عسكري" بل شبكة مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية تجعل دمجه أو تفكيكه معضلة تتجاوز قدرات بغداد وحدها. وفي حين يظل القانون معلقاً بين ضغوط داخلية وخارجية، فإن مستقبله سيحدد بدقة ملامح موقع العراق في الصراع الأمريكي–الإيراني، وربما في المعادلة الصينية أيضاً.