في تطور يغير طبيعة الصراع السوداني، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن الحرب المستمرة منذ عام 2023 لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة لإعادة تموضع الإسلاميين، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، داخل مؤسسات الدولة، مما أثار مخاوف جدية في واشنطن ودوائر غربية أخرى من عودة نفوذ التنظيم إلى مركز القرار في الخرطوم.
ووفقاً للتقرير، الذي نشرته الصحيفة البريطانية العريقة، فإن استعادة الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للسيطرة على العاصمة الخرطوم مطلع عام 2025، كانت نقطة التحول التي عززت بشكل كبير حضور الفصائل الإسلامية التي شاركت في القتال إلى جانبه.
على رأس هذه الفصائل تأتي كتيبة "البراء بن مالك"، التي تُصنف كواحدة من أبرز التشكيلات العقائدية المرتبطة بالحركة الإسلامية، والتي تم إدراجها على قوائم الإرهاب. ولعبت هذه الجماعات دوراً ميدانياً "حاسماً" في قلب موازين المعركة ضد قوات الدعم السريع، خاصة في معارك العاصمة، مما منحها نفوذاً متصاعداً داخل دوائر القرار العسكري والأمني المحيطة بالبرهان.
"لا يوجد جيش وطني"
هذا التحالف العميق انعكس أيضاً على طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها. فنقل التقرير عن ضابط سابق في الجيش السوداني خدم في قيادة الاستخبارات العسكرية قوله: "لا يوجد جيش وطني. لا يزال جيشاً سياسياً حزبياً". وأوضح الضابط أن تجنيده هو وآخرين في الجيش كان بسبب ولائهم للإخوان المسلمين، وأن معظم أبناء دفعته من التنظيم لا يزالون في الخدمة، مما يعكس عمق الاختراق الأيديولوجي للمؤسسة العسكرية.
مخاوف غربية وعقوبات أمريكية
ربطت الصحيفة هذا الصعود المتسارع للإسلاميين بمخاوف متزايدة لدى الولايات المتحدة وبعض الدول الخليجية من عودة التيارات الإسلامية إلى مركز القرار في السودان، بعد سنوات من الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير.
وأشار التقرير إلى أن واشنطن تنظر بقلق إلى ما تعتبره "تقاطعاً" بين نفوذ الإسلاميين والدعم الإيراني لبعض التشكيلات المسلحة، وهو ما تجسد في قرار الإدارة الأمريكية فرض عقوبات خلال الأشهر الماضية على شخصيات وكيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية.
ويرى تحليل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن تصنيف واشنطن لجماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية شكّل رسالة مباشرة بأن الولايات المتحدة باتت ترى الإسلاميين "عائقاً رئيسياً أمام السلام والاستقرار" وطرفاً في إطالة أمد الحرب.
معضلة البرهان ومستقبل البلاد
يؤكد التقرير أن قائد الجيش يجد نفسه في مأزق معقد، فهو من جهة يسعى للحصول على اعتراف ودعم دولي، ومن جهة أخرى يواصل الاعتماد ميدانياً على الجماعات الإسلامية التي أوصلته إلى النصر.
ويرى مراقبون أن هذا التوازن يجعل من الصعب على البرهان إبعاد هذه الجماعات أو تقليص نفوذها، وهو ما أكده الخبير السوداني سليمان بلدو بالقول: "لم يتمكن البرهان بعد من بناء بديل لهم".
وتحذر دوائر غربية من أن أي انتصار عسكري كامل للجيش قد يفتح الباب أمام عودة رموز وتيارات مرتبطة بالنظام الإسلامي السابق، مما قد يعقّد جهود الانتقال السياسي ويعيد السودان إلى واجهة العزلة الإقليمية.
في خضم هذه التطورات، وتحت وطأة حرب تدخل عامها الرابع، تتصاعد التساؤلات حول مستقبل السودان. يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع قائد الجيش الفصل بين حاجة اللحظة ومستقبل الوطن، أم أن ذلك سيظل مجرد استعراضات تطهير كما يصف الخبراء؟