منوع

رواية حطب سراييفو إفرازٌ من نزف الحروب.. في بقاع الأرض

رواية حطب سراييفو

يأخذنا كاتب رواية حطب سراييفو في رحلةٍ بين حرب الجزائر في أيام العشرية السوداء، وحرب البوسنة والهرسك الدامية، لنتجول بين الموتى، ويراودنا الحزن على كل واحد فيهم، ويُذكرنا بأنهم ليسوا أرقاماً، بل لكل منهم حكاية تحفر في الوجدان ملامحها الخاصة.

ويختار “سلوفينيا” كبلاد محايدة هادئة لا حرب فيها، لتتصاعد الصراعات النفسية الداخلية لدى الشخصيات الرئيسية خارج دارة نيران الحروب، ويُظهر كاتب الرواية أنها أشد فتكاً بالإنسان أحياناً، فالحروب الحقيقية هي تلك التي تدور في داخلنا، في صراعنا مع أنفسنا، في تقبلنا لكل حدث طارئ أو مستجد في حياتنا، في تجاوز الخذلان والألم وصفعات الأيام.

 وتلك التفاصيل الكثيرة المتلاحقة حول الأشخاص والأماكن والخيبات، التي يقدمها كاتب الرواية من خلال السطور وسرد الحكاية، تنطبعُ صورها في الذاكرة لتمسي خبراتهم جزءاً من خبراتنا.

رواية حطب سراييفو إفرازٌ من نزف الحروب.. في بقاع الأرض
رواية حطب سراييفو إفرازٌ من نزف الحروب.. في بقاع الأرض

البداية مع سليم:

 

تبدأ الرواية بجفاف يتسلل في أنحاء الحياة، وتوقف تام عن الحركة، وبحديث يختصر ملامح الموت ببضع كلمات “الموت صار طقساً تعودنا عليه”، لكن السطور مليئة بروح سليم التي تضج بالحياة، ولا تشبه ما يعيشه حوله.

المفصل الذي يقترب سريعاً ليجعل القارئ في حيرة من أمره، مسألة سفر سليم وفراقه عن مليكة، تلك التي هجرها حبيبها الأول وسافر إلى فرنسا في وقت سابق.

ولم يكن الوداع لمليكة وحدها، بل لوالده “ابراهيم” أيضاً، المناضل الذي أعطى سنوات طوال من عمره للأرض، حتى فرغت ذخيرة ذاكرته، وأصيب بالزهايمر، لكنه لم يفقد مجد البطولة أبداً، فقد بقي في الجزائر، بينما هاجر شقيقه “سي أحمد” إلى سلوفينيا ضمن موجة هجرة العمال الجزائريين إلى ما كانت تُدعى “يوغسلافيا” حينها.

وإذا توقف الزمن لدى أحدهم، نراه يسير في أماكن أخرى ليغير المصائر، وتُصبح الحرب بريئة من قتل روح ما، فهناك قاتل آخر يترصد الأماكن جميعاً “هل الحب يُفضي إلى الانتحار” سؤال يطرحه الكاتب ضمن قصة نبيلة التي أودى بها الحب إلى الانتحار، ليفتح باباً كبيراً من الأسئلة لا نجرؤ غالباً على الدخول من خلاله، كي لا نفقد ذلك الوهم الجميل الذي يمنحه الحب لنا.

لكن المصائب لا تأتِ فرادا فمن الشائع جداً أن يخسر الصحفي عمله وأن تُرفض تأشيرة خروجه من بلاده، وهذا ما حصل مع سليم في يوم واحد، ولك يأتِ عقب تغطيته لمجزرة “سيدي لبقع” المروعة، ويُطلق كاتب الرواية اسم “نواطير الأرواح” –على لسان شخصية سليم- على الجماعات المسلحة ومن ضمنها التكفيريين وكل ما يتبع لهذه الفئة الدموية التي تخرب كل بلاد تظهر فيها.

 

الفقدان المؤلم:

 

 ومن جهتها تحمل إيفانا “البوسنية” من أصل “كرواتي ” ذاكرة شديدة السوء عن والدها يملأها الألم والخوف، ولكنها رغم ذلك تحملت مشقة غيابه، فالفقدان مؤلم حتى عندما يتعلق بأحد الأشخاص الذين تسببوا بكثير من الأذية لنا، وعانت آثار وفاته على عائلتها التي تقول عنها “مات دون أن يعرف طريقاً إلينا” مشيرةً إلى حالة الغضب الدائمة التي كانت تسيطرُ عليه وتمنعه من التواصل بشكل صحيح معها ومع والدتها و شقيقها وشقيقتها الصغرى، ثم تتكشف خطوط الحكاية لندرك الخلل بعلاقة والدها بجدتها – أمه – ونستنتج تبريراً ما لعدم توازن هذا الرجل في علاقته مع عائلته.

تعاني إيفانا من خيبات كثيرة خارج المنزل أيضاً، في العمل وعلاقاتها بالآخرين وحلمها بالمسرح الذي لم تفقد إيمانها به رغم كل شيء “مرارة الأشياء تزيد في حلاوتها” عبارة تقتبسها عن والدتها، وتحاول التعايش معها في حياتها، وترددها كلما تعرضت لنكسة ما.

فالحروب لا تترك شيئاً على حاله، في كل بقاع الأرض، لا تترك سوى الخسائر المتلاحقة “كانت الحافلات تعبر هذه النقطة الحدودية وهي تحمل سياحاً، والآن تعبرها وهي تحمل فارين من ماضيهم” هكا تصف إيفانا مدينتها التي أرهقها الحصار ودمرتها الحرب.

 

البحث عن الهوية:

 

خلال الجزء الأول من الرواية، يبحث الجميع عن هوية واضحة لهم، يلاحقون أحلامهم، وهواجس الماضي البعيد، وينتظرون أن تطرح الأيام القادمة حلاً لا يعيدهم للدخول في الدوائر ذاتها، ولا يلتصق بهم إلى الأبد، وتبدو الهجرة حلاً مناسباً للجميع، يبعدهم عن نتاج تلك الحرب المشتعلة، بينما لا يدركون الصراعات التي تنتظرهم هناك.

وبعد انتقال سليم من الجزائر إلى “سلوفيينيا” أخيراً بتأشيرة دخول مزورة، تذكر قول صديقه فتحي “حين ينتهي الساسة والعساكر والقوادون، سيطلقون على المؤسسات والمراكز الثقافية أسماء دراويش أو بهائم، لكن أبداً لن يطلقوا عليها أسماء مثقفين أو كتاب” وهذه الجملة تلخص حال بلدان كثيرة، دون أن نعرف أبداً الدافع وراء ذلك.

لكنه ورغم استيائه من تلك التفاصيل في بلاده وما شابهها في الخارج، يكفيه فقط أنه اتخذ خطوة الهجرة والرحيل نحو مكان جديد وحياة جديدة.

 

 

البدايات الجديدة .. والنهايات:

 

وفي المدينة ذاتها تبدأ صفحة جديدة من حياة إيفانا بعد أن حققت حلمها أخيراً أيضاً بالسفر من سراييفو إلى سلوفيينيا.

لكنهما لم يكونا ليدركا أن ما تركاه في أوطانهما سيسكن الذاكرة دائماً، بل إنه سينضج كالثمار تحت أشعة الشمس كلما طال الزمن.

حيث تفوح رائحة الأرض بين السطور طوال الرواية في بدايتها ونهايتها، وتبقى هي الهاجس الأكثر حضوراً “لا أظن الناس يتحاربون في البلقان بعد ما عجزوا عن إيجاد قسمة عادلة للتاريخ، أما نحن فلم نصنع تاريخاً لنتخاصم من أجله” ومهما اختلفت بقاع الأرض، فالآلام الإنسانية واحدة في كل مكان.

ولم يكن اللقاء الذي جمع سليم ب “إيفانا ” لاحقاً صدفة غريبة، بل هو تقاطع كان لا بد الوصول إليه في رحلة البحث الخاصة بكل منهما، لكن الأحداث التي تجري لاحقاً بشكل خارج عن إرادة كل منهما، تتسبب في جريمة مريعة، تجعل كل منهما يكتشف أصوله الحقيقية، ويعود إلى بلاده مكسوراً، مجدداً.

في ختام رواية “حطب سراييفو” يرى سليم صورة والدته التي قُتلت سابقاً في الحرب دون أن يعرفها أبداً، فيتأمل الصورة للمرة الأولى ويعلقها ويكتب تحتها:

“لستُ أبصر في السماء سوى نجمتين.. عينا حبيبتي الجميلتين”.

 

رواية حطب سراييفو

للكاتب : سعيد خطيبي

دار النشر: منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف

عدد الصفحات:327

 

إقرأ أيضاً: كتاب مقرّبون من الكرملين يؤكّدون لا سلام في سوريا ببقاء بشار الأسد ونظامه الحالي

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق