مقال رأي

ما علاقة شرق الفرات باشتعال النيران بين أرمينيا وأذربيجان!

المايسترو الأمريكي في شرق الفرات

يبدو ان واشنطن تحرك الأطراف في شرق الفرات وفق قواعد اللعبة المخطط لها، أحياناً تخرج أنقرة عن الطاعة، وأحياناً أخرى تعلن التمرد على سياستها في المنطقة رغم إنهما حلفاء في “الناتو”.

وفي بعض الأحيان تتعارك موسكو مع الدوريات الأمريكية في ريف القامشلي معلنةً عن غضبها حيال تواجدها العسكري (غير المرغوب به) في ملعبها في شرق الفرات، وبين هذا وذاك (ضاعت الطاسة) والمنطقة تتجه نحو المجهول.

اتفاقات الضرورة

في آخر لقاء “أونلاين” جمع بين ثلاثي آستانا (اردوغان، روحاني، بوتين) بـ 1/7/2020، توصل الأطراف إلى ااتفاق لم يعلن عنه بشكل مباشر، وما سرب عنه كالتالي (ان تتنازل موسكو عن “عين عيسى” في ريف الرقة كأول مرحلة للسيطرة على مناطق أخرى لصالح أنقرة مقابل عدم تدخل الأخيرة في الصراع المشتعل في (القوقاز) لصالح الناتو، ووقف هجوم قوات الشرعية الدولية بقيادة (السراج) على مدينة سرت الليبية لطرد (حفتر) منها المدعوم روسياً، يبدو ان أنقرة أعجبتها الفكرة، وباتت تهمها مصالحها، وتفتش عنها اينما وجدت.

ما علاقة شرق الفرات باشتعال النيران بين أرمينيا وأذربيجان!
ما علاقة شرق الفرات باشتعال النيران بين أرمينيا وأذربيجان!

وعندما سمع الأمريكان خبر انسحاب قوات النظام السوري من (عين عيسى) المدينة الاستراتيجية في الشمال السوري، والتي تشكل عقدة للمواصلات، تمهيداً للهجوم التركي، دقوا ناقوس الخطر، فطار على الفور قائد القوات الاميركية في شرق الأوسط الجنرال “فرانك ماكنزي” إلى مطار أربيل الدولي، ومنه الى منطقة شرق الفرات السورية، في جولة سرية لم يعلن عنها.

وبوصول الجنرال الأمريكي إلى المنطقة واللقاء مع قيادة “قسد” أوصل رسالته الحاسمة إلى انقرة بأن الهجوم حالياً على عين عيسى (غير ممكن).

ليبدو أنَّ الخطة الروسية للإٕيقاع بين أنقرة وواشنطن قد فشلت في هذه الجولة، أما موسكو فلم تحرّك ساكناً فأرادت خلط الأوراق من جديد، موجهةً لـ أنقرة إنذاراً وبطاقة صفراء من خلال هجوم طائرتها على مدينة الباب في (16/07/2020) فأوقعت العديد من الضحايا، ليكون الهجوم مفاجئاً للجميع لأن هذه المنطقة في حالة (خفض التصعيد)، وهو ما دفع أنقرة لفهم الموقف، لتعود بالرد ودون تردد.

ففي (17/07/2020) استهدفت طائرة مسيّرة (مجهولة) مقر اجتماعات مشتركة، للشرطة العسكرية الروسية والنظام السوري و”قسد” في مدينة الدرباسية، ما أسفر عن إصابة ستة عسكريين، بينهم ثلاثة روس وثلاثة من قوات النظام السوري، تفهمت موسكو الرد التركي واستوعبت اللعبة، ففضلت الهدوء وعدم الانجرار خلف التصعيد خوفاً من المايسترو الأمريكي ومراقبته للأوضاع في المنطقة عن كثب، كون موسكو تعيش حالياً حالة الترقب والحذر من المجهول.

انتقال الصراع إلى القوقاز

يبدو أن الرسائل المتبادلة في الشمال السوري بين موسكو وأنقرة لم تأت بالنتائج الإيجابية لكلا الطرفين، ففضلتا نقل الصراع الى منطقتي (القوقاز) وليبيا، واستعراض قوتهما هناك، فقامتا بإشعال النيران بين أرمينيا التي تدعمها موسكو، وأذربيجان التي تدعمها أنقرة، ولا شك أن موسكو تخشى هذا الصراع لأنها تعتبر القوقاز منطقة نفوذ لها.

ويمكن تفسير هذا التصعيد ايضاً بأن أبوابها الجنوبية تقرع من (أعداءها التاريخيين) وأمنها القومي بات في خطر، فهاتان الدولتان تتذكران جيداً أن العديد من الحروب اندلعت بينهما وذلك ما بين عام 1568 وحتى عام 1918، وانتصر الاتحاد السوفيتي في غالبيتها، وأدت في معظم الأحيان إلى معاهدات قاسية على الدولة العثمانية لكن في النهاية دفعت “السوفييت” الثمن فانقسمت على نفسها إلى خمس عشرة جمهورية منفصلة فيما بينهم.

خلط الأوراق

لتحريك جبهة القوقاز واستعراضاً للقوة، اندلعت اشتباكات مسلحة بين أذربيجان وأرمينيا دون سابق إنذار، وتحديدًا في منطقة توفوز الحدودية، وتخللها دعم تركي لوجستي لباكو، وتنسيق عسكري معها، في أعقاب لقاءات عسكرية رفيعة بين البلدين، ودعم روسي مباشر لـ يريفان.

لتدفع موسكو بأرمينيا الى السيطرة على مرتفع إستراتيجي داخل الأراضي الأذرية على الحدود الدولية بين الدولتين، وأدى إلى سقوط 16 عسكرياً من الجانبين، مما منح أرمينيا السيطرة النارية وإمكانية التحكم في أنابيب النفط والغاز المارة بالمنطقة باتجاه جورجيا وتركيا، ويعتبر ذلك انتصارا سياسياً وعسكرياً لموسكو في القوقاز.

بدورها أدركت أنقرة حجم الخطر فسارعت لإدانة هذا التصعيد الأرميني الجديد، ودعت “يريفان” لاحترام القانون الدولي، ومغادرة المناطق التي تحتلها التزاماً بقرارات مجلس الأمن أرقام: 822 و853 و874 و884، التي تطالب أرمينيا بإنهاء احتلالها للأراضي الأذربيجانية.

بالمحصلة

يقال:” أينما غيمت، مطرت في شرق الفرات السورية”، بمعنى أنَّ الصراع في القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان ليس حقيقياً، بل كل طرف يحاول انتزاع الأوراق من الآخر في شرق الفرات السورية، واستعراض القوة في القوقاز وليبيا له علاقة مباشرة بالتطورات في إدلب بشكل خاص وسوريا بشكل عام، صحيح ان واشنطن تتعارك مع الدوريات الروسية في سوريا بشكل شبه يومي لكن عينها على القوقاز، وبتحريك أنقرة لورقة اذربيجان أرادت ان توجه رسالتين مزدوجتين لكل من موسكو وواشنطن، لتستعرض (عضلاتها) أمام الجميع وبأنها (لا يمكن ان تكون إيران ثانية) في المنطقة.

في نهاية المطاف ستتنازل موسكو لصالح واشنطن وأنقرة في سوريا وليبيا خوفاً من انتقال الصراع الى القوقاز، وخشية من الغضب الأوربي لان اختراق جبهة القوقاز من قبل الناتو تضع أمنها القومي على المحك، وفي حال فكرت موسكو اللعب بالنار على جبهتي (سوريا) وليبيا، ستقرع ابوابها الجنوبية من قبل الناتو، وستدفع بالعالم نحو تحالفات وحرب باردة جديدة، وهذا لا يمكن ان يتحملها اقتصادها الضعيف أصلاً وقدراتها المحدودة ، فضلاً عن قواعد ( الناتو) العسكرية المنتشرة حول العالم التي تطوق روسيا من جميع الاتجاهات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق