مع تصاعد الحديث خلال الأسابيع الأخيرة عن تحفظات مصرية على اعتماد السفير السوري الجديد لدى القاهرة، عاد ملف العلاقات المصرية السورية إلى واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي، وسط تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقة بين البلدين بعد التغيرات التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية.
ورغم أن ملف السفير بدا في ظاهره قضية دبلوماسية إجرائية، إلا أن أبعاده السياسية فتحت الباب أمام نقاش أوسع حول مستوى الثقة المتبادلة بين القاهرة ودمشق، ومدى استعداد الطرفين للانتقال بالعلاقات إلى مرحلة أكثر تقدماً في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة.
كما تحدثت تقارير أخرى عن أن الأزمة لم تقتصر على ملف السفير فقط، بل شملت تأخير الموافقات الخاصة ببعض أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية الجديدة، ما عزز الانطباع بوجود مراجعة مصرية أوسع لطبيعة العلاقة مع دمشق في المرحلة الحالية.
وفي هذا السياق، يرى السياسي والدبلوماسي السوري بشار علي الحاج علي، في حديث لوكالة ستيب نيوز أن ما يوصف بالحذر المصري تجاه سوريا لا ينبغي تفسيره باعتباره رفضاً للتقارب أو تحفظاً على العلاقة بحد ذاتها، بل يأتي في إطار مقاربة مصرية تقليدية تقوم على التدرج في بناء الشراكات السياسية والتأكد من استقرار المشهد الداخلي قبل الانتقال إلى مستويات أعلى من التعاون.
ويقول الحاج علي: إن "العلاقات السورية المصرية تستند إلى رصيد تاريخي واستراتيجي عميق، لكن القاهرة تنظر إلى المرحلة السورية الراهنة من زاوية استقرار المؤسسات وطبيعة التحولات الجارية في الدولة السورية"، مضيفاً أن مصر "بحكم ثقلها الإقليمي ونهجها التقليدي في إدارة الملفات الحساسة، تميل إلى التدرج في بناء الشراكات السياسية، وتفضل استكمال عناصر الاستقرار الداخلي وتوضيح ملامح المرحلة الجديدة قبل الانتقال إلى مستويات أعلى من التعاون".
ويؤكد أن الحذر المصري "لا يعكس رفضاً للتقارب مع دمشق، بل يعبر عن مقاربة تقوم على بناء الثقة بصورة تدريجية بما يحقق مصالح البلدين ويعزز الاستقرار الإقليمي".
أزمة السفير.. خلاف سياسي أم إجراء دبلوماسي؟
برزت الأزمة مؤخراً بعد تداول تقارير إعلامية تحدثت عن عدم منح القاهرة الموافقة النهائية لاعتماد السفير السوري المقترح "محمد طه الأحمد"، وهو ما أثار تكهنات حول وجود توتر سياسي بين الجانبين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن التحفظ المصري يرتبط بخلفيات سياسية وأيديولوجية للمرشح، في وقت تتعامل فيه القاهرة بحذر مع التحولات التي شهدتها الساحة السورية بعد سقوط النظام السابق وصعود القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.
غير أن الحاج علي يرى أن التعامل مع القضية يجب أن يكون ضمن الأطر الدبلوماسية المعروفة دولياً، مشيراً إلى أن "من الناحية القانونية، يحق لأي دولة قبول أو عدم قبول السفير المقترح قبل اعتماده رسمياً، وهذا حق سيادي منصوص عليه في الأعراف الدبلوماسية الدولية واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية".
ويضيف أن "تأخير اعتماد سفير أو طلب اسم بديل لا يُعد أمراً استثنائياً في العلاقات الدولية، وغالباً ما يرتبط بحسابات سياسية أو دبلوماسية تتجاوز الأشخاص أنفسهم"، موضحاً أن أي تأخير في هذا الملف "ينبغي النظر إليه في إطار إدارة العلاقة الثنائية وتطورها، وليس بالضرورة باعتباره مؤشراً على وجود خلاف جوهري بين البلدين".
وتنسجم هذه القراءة مع ما يراه عدد من المراقبين الذين يعتبرون أن القاهرة تتعامل مع الملف السوري وفق سياسة حذرة ومتدرجة، تسعى من خلالها إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع دمشق مع مراقبة التطورات السياسية والأمنية داخل سوريا.
مصر تراقب المشهد السوري
منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا، حافظت القاهرة على مستوى من التواصل مع القيادة السورية الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تجنبت اتخاذ خطوات متسارعة قد تُفسر على أنها انحياز مبكر أو تبنٍّ كامل للمشهد الجديد قبل اتضاح مساراته.
ويرى محللون أن مصر تنظر إلى استقرار المؤسسات السورية باعتباره عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل العلاقة، خصوصاً أن السياسة الخارجية المصرية لطالما أعطت أولوية لفكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية.
كما ترتبط المقاربة المصرية بجملة من الاعتبارات الأمنية والإقليمية، تشمل مستقبل التوازنات في المشرق العربي، ودور سوريا في المنظومة العربية، إضافة إلى انعكاسات الاستقرار السوري على ملفات إقليمية أخرى تتداخل فيها مصالح القاهرة بشكل مباشر.
هل تستجيب دمشق للهواجس المصرية؟
في المقابل، تبدو دمشق حريصة على عدم تحويل ملف السفير إلى أزمة سياسية مع القاهرة، خصوصاً في ظل إدراكها لأهمية الدور المصري داخل النظام العربي.
ويؤكد الحاج علي أن القيادة السورية تدرك أهمية مصر بوصفها دولة محورية في المنطقة، كما تدرك القاهرة في المقابل أهمية استقرار سوريا ودورها في معادلات الإقليم.
وقال: "أعتقد أن دمشق تدرك أهمية مصر بوصفها دولة محورية في النظام العربي، كما تدرك القاهرة أهمية استقرار سوريا ودورها في معادلات المنطقة".
وأضاف أن سوريا تواجه حالياً مجموعة واسعة من التحديات الداخلية المرتبطة بإعادة بناء المؤسسات وتحسين الواقع الاقتصادي وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، وهو ما يجعل بعض الملفات الثنائية أقل إلحاحاً مقارنة بأولويات أخرى تفرضها المرحلة.
ومع ذلك، يشدد الحاج علي على أن العلاقة السورية المصرية تظل أولوية استراتيجية للطرفين، موضحاً أن "تطوير هذه العلاقة سيبقى مصلحة مشتركة للطرفين، وأن الحوار المستمر وتبادل الثقة كفيلان بتجاوز أي تباينات أو هواجس قائمة، وصولاً إلى مستوى من التعاون ينسجم مع مكانة البلدين ودورهما في المنطقة".
إلى أين تتجه العلاقات بين البلدين؟
على الرغم من الجدل الذي أثاره ملف السفير، فإن المؤشرات المتوافرة لا توحي بوجود قطيعة أو مواجهة سياسية بين القاهرة ودمشق، بل تعكس وجود مرحلة انتقالية تُعاد خلالها صياغة أسس العلاقة بين البلدين وفق المعطيات الجديدة التي أفرزتها التطورات السورية.
ويبدو أن القاهرة تسعى إلى بناء علاقة قائمة على التدرج والثقة المتبادلة، بينما تعمل دمشق على تعزيز حضورها العربي واستثمار علاقاتها مع العواصم المؤثرة في المنطقة، وفي مقدمتها مصر.
وبين هذين المسارين، يبقى ملف السفير اختباراً دبلوماسياً مهماً، لكنه لا يبدو كافياً للحكم على مستقبل العلاقة بين البلدين، خاصة في ظل وجود مصالح سياسية واستراتيجية مشتركة تدفع باتجاه استمرار التواصل وتوسيع مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة.