شهدت العاصمة السودانية الخرطوم خلال الساعات الماضية تصعيداً ميدانياً لافتاً بعد تنفيذ قوات الدعم السريع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي ومواقع عسكرية وحيوية داخل العاصمة، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولاً نوعياً في مسار المواجهة مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.
وتعكس الضربات الأخيرة، وفق متابعين، قدرة قوات الدعم السريع على الوصول إلى أهداف شديدة الحساسية داخل العمق العسكري للجيش السوداني، رغم الإجراءات الأمنية والدفاعية المشددة، فيما تحدثت مصادر عن اختراق أمني وخطة كبيرة خلف الهجوم.
وبحسب تقارير فإن الهجمات التي نُسبت إلى قوات الدعم السريع استهدفت محيط مطار الخرطوم الدولي إلى جانب مواقع عسكرية في العاصمة، ما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان ورفع حالة الاستنفار الأمني في المدينة، بينما تحدثت مصادر عن استهداف مواقع حساسة داخل الخرطوم وأم درمان.
ويأتي هذا التطور في وقت يُعدّ فيه مطار الخرطوم أحد أبرز المواقع الحيوية في السودان التي تسيطر عليها قوات البرهان، خصوصاً بعد محاولات إعادة تشغيله بشكل تدريجي عقب فترات طويلة من التعطل نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، إضافة لاستخدامه بنقل شحنات عسكرية ودعم للجيش مع وجود رادارات ومنصات دفاع جوي داخله.
الدعم السريع يضع مطار الخرطوم في قلب المواجهة
أعاد استهداف مطار الخرطوم تسليط الضوء على هشاشة المنظومة الأمنية التابعة للجيش السوداني داخل العاصمة، إذ يمثل المطار أحد أهم المراكز العسكرية واللوجستية والاستراتيجية في البلاد.
وبحسب مصادر متعددة، فإن الضربات الدقيقة التي استهدفت المطار أدت إلى تعطيل أجزاء أساسية من بنيته التشغيلية، ما تسبب في إرباك واضح لحركة الطيران والأنشطة العسكرية المرتبطة بالمطار.
وتحدثت وسائل إعلام عن اندلاع حرائق محدودة داخل محيط المطار عقب سقوط عدد من المسيّرات، في حين أظهرت مقاطع متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي تصاعد الدخان من مناطق قريبة من المدرجات وبعض المنشآت التابعة للمطار.
هجمات متزامنة على مواقع حيوية في الخرطوم وأم درمان
الهجمات الأخيرة لم تقتصر على مطار الخرطوم فحسب، بل جاءت ضمن موجة استهدافات متزامنة طالت مواقع عسكرية وحيوية في الخرطوم وأم درمان، في تطور تكتيكات الحرب واستخدام المسيّرات بعيدة المدى بصورة أكثر كثافة.
وتحدثت مصادر إعلامية عن سماع دوي انفجارات متتالية في شرق الخرطوم، بالتزامن مع إطلاق كثيف للمضادات الأرضية التابعة للجيش السوداني، فيما شوهدت تحركات أمنية وعسكرية واسعة قرب عدد من المواقع الحساسة.
ويحمل استهداف مناطق حيوية داخل العاصمة رسائل عسكرية وسياسية تتعلق بقدرة الأطراف المتحاربة على الوصول إلى عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الخصم.
استهداف أنظمة الرادار والدفاعات الجوية
من بين أبرز النقاط التي جرى تداولها عقب الهجمات الأخيرة، الحديث عن تعرض أنظمة رادار ومواقع مرتبطة بالدفاع الجوي للاستهداف، وهو يشير إلى محاولة إضعاف قدرات الرصد والاستشعار لدى الجيش السوداني.
ويُعدّ تعطيل أو إرباك أنظمة الرادار والدفاعات الجوية هدفاً استراتيجياً في الحروب الحديثة، إذ يمنح الطائرات المسيّرة قدرة أكبر على اختراق الأجواء والوصول إلى أهداف أكثر حساسية.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن الحرب في السودان شهدت خلال العامين الأخيرين تصاعداً واضحاً في استخدام المسيّرات الهجومية والاستطلاعية، سواء من جانب الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، ما أدى إلى تغيرات كبيرة في موازين الاشتباك وأساليب إدارة العمليات العسكرية.
كما أن نجاح أي طرف في تطوير بنك أهداف دقيق أو جمع معلومات ميدانية متقدمة يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على فعالية الضربات الجوية ودقتها، خصوصاً في البيئات الحضرية المعقدة مثل الخرطوم.
انعكاسات مباشرة على الأمن وحركة الطيران
أثارت الضربات الأخيرة مخاوف واسعة بشأن مستقبل الاستقرار الأمني داخل العاصمة السودانية، في ظل استمرار حالة التوتر والاشتباكات المتقطعة في عدد من المحاور.
ويرى خبراء أن الهجمات المتكررة بالمسيّرات تكشف عن تحديات كبيرة تواجه أنظمة الحماية الجوية، خصوصاً مع استخدام طائرات صغيرة يصعب رصدها أحياناً، أو يتم إطلاقها بأعداد متزامنة لإرباك الدفاعات.
وتعيش الخرطوم منذ اندلاع الحرب أوضاعاً معيشية وأمنية شديدة التعقيد، حيث أدت المعارك إلى تدمير واسع في البنية التحتية وانقطاع خدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات في عدد من المناطق.
دلالات استراتيجية للتصعيد الأخير
يحمل التصعيد الأخير جملة من الدلالات العسكرية والسياسية، أبرزها استمرار قدرة أطراف الصراع على تنفيذ عمليات نوعية رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب.
كما تعكس الهجمات انتقال الصراع بصورة متزايدة إلى مرحلة الاستنزاف التقني والعسكري، حيث يسعى كل طرف إلى ضرب مراكز القيادة والبنية التحتية الحساسة وإضعاف قدرات الخصم الدفاعية.
ويرى محللون أن التركيز على المطارات ومنظومات الرادار والدفاع الجوي قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض معادلات ميدانية جديدة، أو تقليص قدرة الخصم على التحرك الجوي وتأمين العمق الاستراتيجي.
“نور القبة” يتصدر المشهد الميداني
بالتزامن مع التطورات الأخيرة، برز اسم “نور القبة” بشكل واسع في الأوساط السودانية، حيث تحدثت منصات وحسابات ناشطين عن دوره في تقديم معلومات ميدانية وإحداثيات دقيقة ساهمت في تنفيذ ضربات نوعية ضد مواقع عسكرية تابعة للجيش السوداني.
وتشير الروايات المتداولة إلى أن “القبة” تمكن، بعد انفصاله عن الدعم السريع وانضمامه لقوات البرهان، من تحقيق اختراق ميداني مهم خلف خطوط القتال، الأمر الذي انعكس – وفق تلك الروايات – على دقة الاستهدافات الأخيرة التي طالت مطار الخرطوم ومنظومات الرادار والدفاع الجوي.
كما ربطت بعض المنشورات بين هذه الروايات وبين نجاح ضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنظومات رادار ودفاع جوي داخل الخرطوم.
ولم تصدر حتى الآن تأكيدات مستقلة بشأن جميع التفاصيل المتداولة حول دوره، إلا أن تزامن الحديث عن هذه المعلومات مع تصاعد الضربات الدقيقة التي نفذتها قوات الدعم السريع دفع كثيرين إلى الربط بين الأمرين.
حرب المسيّرات تغيّر ملامح النزاع السوداني
أصبحت الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأخيرة أحد أبرز أدوات الصراع في السودان، مع توسع استخدامها في تنفيذ الضربات بعيدة المدى واستهداف المنشآت الحيوية ومخازن الوقود والمواقع العسكرية.
وتشير تقارير دولية إلى أن هذا التحول ساهم في إعادة تشكيل طبيعة الحرب، إذ باتت المسيّرات تمنح الأطراف المتحاربة قدرة أكبر على تنفيذ عمليات دقيقة بتكلفة أقل مقارنة بالطائرات التقليدية.
كما أن اعتماد الحرب على المسيّرات أدى إلى تعقيد المشهد الأمني داخل المدن، حيث بات المدنيون يعيشون تحت تهديد دائم لهجمات مفاجئة يمكن أن تطال مواقع حيوية أو مناطق سكنية.
وفي ظل غياب أي مؤشرات جدية على قرب التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، تبدو العاصمة الخرطوم مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، مع استمرار تبادل الضربات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتزايد المخاوف من اتساع التأثيرات الإنسانية والاقتصادية للحرب.
وتشير تقديرات أممية إلى أن الصراع المستمر منذ عام 2023 تسبب في نزوح ولجوء ملايين السودانيين، إضافة إلى انهيار قطاعات خدمية واسعة، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية إذا استمرت المواجهات العسكرية بنفس الوتيرة الحالية.