في أول اختبار حقيقي يهز عرش الحكومة العراقية الجديدة، وجد رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه أمام معادلة معقدة، تتأرجح بين صمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرسمي على قضية شائكة، وضغوط متصاعدة من "الفصائل المسلحة" التي تطالبه بتفسير عاجل.
بدأت القصة عندما أقدمت تركيا، في خطوة فاجأت بغداد، على اعتقال القيادي في "كتائب حزب الله" محمد باقر السعدي وسلمته إلى واشنطن. هذا التحرك، الذي اعتبرته الأوساط البرلمانية المقربة من قوى السلاح مخالفاً لمبادئ حسن الجوار، قوبل بـ"صمت مطبق" من قبل حكومة الزيدي، في مشهد يصفه المراقبون بأنه "اختبار مزدوج" لمدى قدرة الحكومة على إدارة التوازن بين مصالحها والضغوط الأمريكية المتزايدة.
البرلمان منقسم وانتظار يتزايد
الأزمة لم تقتصر على الأروقة الرئاسية، بل انعكست فصولها على جدران البرلمان المنقسم. فبينما لم تعلن لجنة العلاقات الخارجية موقفاً رسمياً، توجهت أصوات برلمانية، أبرزها النائبة عن "كتلة بدر" نور عادل العتابي، بخمسة أسئلة حادة إلى وزارة الخارجية، تطالب فيها بتوضيح ملابسات احتجاز السعدي وتسليمه للأمريكيين، واصفة الإجراءات بأنها "مخالفة ومريبة".
في الجهة المقابلة، تتجه أنظار الجميع نحو محادثات سرية تُعقد خلف الأبواب المغلقة، بوساطة شخصيات مقربة من الحكومة، تهدف إلى إقناع الجانب الأمريكي بقبول مشاركة كتل سياسية كانت تمتلك أجنحة مسلحة، في محاولة للخروج من المأزق الحالي، وسط ترقب لما ستسفر عنه هذه الجهود خلال الأسبوعين المقبلين.
وعد طموح وأزمة متجذرة
في أول خطاب له بعد تسلمه المسؤولية، قطع الزيدي على نفسه وعداً بطموح كبير، بتعزيز علاقات العراق الدولية على أساس الاحترام المشترك والمصالح المتبادلة، ووضع حد لقوى السلاح التي لم تحصل على أي مقعد وزاري في حكومته، رغم وصول ممثليها إلى البرلمان.
بين صمت الحكومة حيال قضية السعدي، وذكريات الضربات السابقة التي أثّرت على علاقة العراق بالعالم، تظل كل الأنظار مشدودة إلى رد الفعل المنتظر. السؤال الأهم الذي يلوح في الأفق الآن: هل تستطيع حكومة الزيدي تحويل هذا الملف الشائك إلى نقطة انطلاق لفرض سيادة الدولة، أم ستبقى رهينة الحسابات المعقدة بين واشنطن والعواصم الأخرى؟