دخلت العلاقات الأوكرانية البولندية مرحلة جديدة من التوتر السياسي، بعدما أعلن مسؤول أوكراني بارز تخليه عن وسام بولندي رفيع، احتجاجاً على قرار الرئيس البولندي كارول نافروتسكي تجريد نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أعلى وسام شرف في بولندا على خلفية خلافات تاريخية تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية.
وقال كيريلو بودانوف، في تصريحات اليوم السبت، إنه قرر التنازل عن وسام "الصليب الذهبي" من وسام استحقاق جمهورية بولندا، الذي مُنح له العام الماضي، معتبراً أن الخطوة البولندية الأخيرة تمثل خدمة مجانية لموسكو في وقت تواجه فيه أوكرانيا تحديات عسكرية وسياسية كبيرة.
وجاء قرار بودانوف عقب إعلان الرئيس البولندي نافروتسكي، الجمعة، عزمه سحب وسام "النسر الأبيض" من زيلينسكي، وهو أعلى وسام مدني في بولندا، بعد إعادة تسمية وحدة عسكرية أوكرانية باسم "جيش التمرد الأوكراني"، وهو التنظيم الذي تتهمه وارسو بالمسؤولية عن مجازر استهدفت آلاف البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.
بودانوف: التاريخ يجب أن يكون مجالاً للتأمل لا للمزايدات
وفي رسالة نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، أكد بودانوف أن العلاقات بين بولندا وأوكرانيا تقوم على روابط تاريخية عميقة وتجارب مشتركة، مشيراً إلى أن تاريخ البلدين يتضمن صفحات مشرقة وأخرى مؤلمة.
وقال: "تربط بلدينا علاقات راسخة، ولكل منهما صفحات مختلفة من التاريخ، بعضها بطولي والآخر مأساوي، لكن هذه القضايا يجب أن تكون مناسبة للتأمل العميق لا للمضاربات السياسية السطحية".
واعتبر المسؤول الأوكراني أن القرار البولندي يأتي في توقيت حساس تخوض فيه كييف معركة سياسية ودبلوماسية واسعة لحشد الدعم الغربي في مواجهة روسيا.
كييف تنتقد القرار
من جانبه، وصف وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها قرار سحب الوسام من زيلينسكي بأنه "خطأ استراتيجي"، محذراً من أن مثل هذه الخطوات قد تؤثر سلباً على العلاقات بين البلدين في مرحلة تحتاج فيها أوروبا إلى أكبر قدر ممكن من التنسيق والوحدة.
ويأتي هذا الموقف في وقت تُعد فيه بولندا واحدة من أبرز الداعمين السياسيين والعسكريين لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حيث لعبت وارسو دوراً محورياً في دعم كييف داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
توسك يدعو إلى التهدئة
وفي محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد، دعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي يُعد من أبرز خصوم الرئيس نافروتسكي السياسيين، الجانبين إلى التعامل بهدوء مع الأزمة وعدم السماح للخلافات التاريخية بإلحاق الضرر بالشراكة الاستراتيجية القائمة بين البلدين.
وأكد توسك أن المصالح المشتركة والتحديات الأمنية التي تواجه أوروبا الشرقية تتطلب الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون بين وارسو وكييف، رغم الخلافات المرتبطة بملفات الذاكرة التاريخية.
خلاف تاريخي يتجدد
وتُعد قضية "جيش التمرد الأوكراني" من أكثر الملفات حساسية في العلاقات البولندية الأوكرانية، إذ تنظر إليه أوكرانيا باعتباره جزءاً من حركة النضال الوطني ضد الاحتلالين النازي والسوفييتي، بينما تعتبره بولندا مسؤولاً عن مذابح واسعة استهدفت المدنيين البولنديين في مناطق فولينيا وشرق غاليسيا خلال أربعينيات القرن الماضي.
ورغم التقارب الكبير الذي شهدته العلاقات بين البلدين منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، فإن الملفات التاريخية ظلت تمثل مصدر توتر متكرر بين الجانبين، خاصة مع تصاعد الخطاب القومي في كلا البلدين.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تشكل اختباراً جديداً للعلاقات بين كييف ووارسو، في وقت تسعى فيه أوكرانيا للحفاظ على دعم حلفائها الأوروبيين بينما تواصل مواجهة الضغوط العسكرية الروسية على مختلف الجبهات.