بوريس إبشتاين.. "ظلّ البيت الأبيض" الذي يتحرك بلا ضجيج
في بيئة سياسية مشحونة بالانقسامات داخل دائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يبرز اسم بوريس إبشتاين كشخصية "ظلّ" نافذة، تتحرك بعيداً عن الكاميرات لكنها حاضرة في قلب صناعة القرار. ويُوصف داخل أروقة السلطة بأنه "رجل المهام الصعبة" و"كاتم الأسرار"، في إشارة إلى دوره غير المعلن في إدارة الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً.
ويُنظر إلى هذا النموذج من المستشارين غير الظاهرين على الإعلام كجزء مألوف في الحياة السياسية الأميركية، حيث يعتمد الرؤساء عادة على شخصيات شديدة الولاء تعمل في الخلفية لإدارة الأزمات، واحتواء التوترات، وصياغة الخيارات السياسية بعيداً عن الأضواء.
من مستشار قانوني إلى أحد أبرز الشخصيات النافذة داخل إدارة ترامب
داخل منظومة دونالد ترامب، يبرز إبشتاين باعتباره المستشار القانوني الأقدم وأحد أكثر الشخصيات نفوذاً في الإدارة الأميركية، إذ يوصف بأنه أحد العقول التي تدير "سياسة حافة الهاوية" داخل البيت الأبيض، وهي المقاربة التي تقوم على التصعيد القانوني والسياسي حتى أقصى الحدود الممكنة.
ووفق هذا الدور، يمكن لإبشتاين حضور اجتماعات حساسة في المكتب البيضاوي دون أن يدرك بعض الحاضرين وجوده أو طبيعة تأثيره المباشر في النقاشات الجارية، ما يعكس مستوى الغموض الذي يحيط بموقعه داخل دوائر القرار.
هذا الغموض دفع موقع "أكسيوس" إلى تسليط الضوء عليه في تقرير مطول، أشار فيه إلى أن إبشتاين لا يكتسب نفوذه فقط من قربه من الرئيس، بل من حقيقة أن ترامب نفسه يعتمد على آرائه بشكل مباشر في ملفات متعددة.
"بمثابة طبيبي النفسي".. علاقة شخصية تتجاوز الإطار الرسمي
وبحسب ما نقل التقرير، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصف إبشتاين أمام المقربين منه بأنه "بمثابة طبيبي النفسي"، في إشارة إلى حجم التواصل المستمر بينهما، والدور الذي يلعبه الأخير في تقديم الدعم النفسي والسياسي خلال لحظات الضغط والأزمات.
ويضيف التقرير أن إبشتاين، بصفته كبير المستشارين الشخصيين للرئيس، يتحدث مع ترامب بوتيرة عالية، إلى درجة أن الرئيس كان في بعض الأحيان يطلب من الحاضرين تشغيل مكبر الصوت لإشراك إبشتاين في المحادثات دون أن يدرك الآخرون في الغرفة مدى حضوره أو تأثيره في القرار.
نفوذ هادئ داخل دائرة مشتعلة بالانقسامات
رغم هذا القرب غير المألوف، فإن موقع إبشتاين داخل منظومة ترامب لا يخلو من الجدل. ففي حين يراه البعض عنصر ثبات ودعم أساسي للرئيس، يعتبره آخرون جزءاً من ماكينة سياسية تعمل وفق منطق "التصعيد الدائم".
ونقل أحد المستشارين وصفاً لافتاً لدوره، قائلاً إنه يمثل "جهة الدعاية وفريق التشجيع بنسبة 100% لرئيس الولايات المتحدة"، مع الإشارة إلى أن هذا الدور، رغم فعاليته، قد يبدو مبالغاً فيه في بعض الأحيان حتى داخل الدائرة المقربة من ترامب.
حضور محدود في الإعلام ونفوذ واسع خلف الكواليس
وعلى الرغم من عمله بعيداً عن الأضواء، ظهر إبشتاين في مناسبات علنية محدودة، من بينها ظهوره إلى جانب الرئيس الأميركي خلال المباراة الثالثة من نهائيات دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين (NBA) في قاعة ماديسون سكوير غاردن.
كما كشفت تقارير صحفية، بينها "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال"، عن دوره في تسوية سياسية أدت إلى إنشاء صندوق "مكافحة توظيف مؤسسات الدولة كسلاح" بقيمة 1.8 مليار دولار، وهي مبادرة أثارت جدلاً واسعاً داخل الكونغرس قبل أن يتم التخلي عنها لاحقاً وسط اعتراضات من الحزبين.
المحامي الذي قاد المعارك القضائية لترامب ضد الإعلام والتكنولوجيا
بوصفه المحامي الشخصي الأول لترامب، لعب إبشتاين دوراً محورياً في قيادة موجة غير مسبوقة من الدعاوى المدنية التي رفعها الرئيس ضد وسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.
وخلال هذه المواجهات القانونية، حقق ترامب انتصارات وتسويات مالية كبيرة مع مؤسسات إعلامية وشركات كبرى، من بينها "ABC" و"CBS"، إضافة إلى شركات تكنولوجية عملاقة مثل "ميتا" و"غوغل" و"إكس".
وفي المقابل، لا تزال معارك قانونية أخرى مستمرة ضد مؤسسات إعلامية كبرى، تشمل BBC وCNN و"نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال"، إضافة إلى لجنة جائزة "بوليتزر".
"حافة الهاوية".. استراتيجية صاغها داخل أزمات متصاعدة
بات إبشتاين أحد أبرز مهندسي استراتيجية "حافة الهاوية" التي طبعت سلوك فريق ترامب خلال فترات سياسية وقضائية حساسة، خصوصاً خلال الحملة الانتخابية لعام 2024، عندما كان الرئيس يواجه أربع قضايا جنائية وقضيتين مدنيتين.
وبحسب هذا النهج، اعتمد الفريق على التصعيد القانوني المستمر، واستئناف كل القرارات الممكنة، وتحويل المعارك القضائية إلى جزء من المعركة السياسية، وهو ما أدى إلى تحقيق مكاسب مؤثرة في مسار الحملات الانتخابية.
ووفق هذا السياق، حصل ترامب على حكم من المحكمة العليا يتعلق بالحصانة الرئاسية، بالتزامن مع تصاعد الضغط السياسي على المؤسسات القضائية خلال ذروة السباق الانتخابي.
وقال ستيف بانون، أحد أبرز وجوه الإدارة السابقة، إن إبشتاين "نجح في إدارة معركة كان ترامب يتأرجح فيها بين السجن والعودة إلى الرئاسة"، مضيفاً أنه كان "الرجل الذي أنجز المهمة".
نفوذ يمتد من القضاء إلى الإعلام والسياسة
لم يقتصر دور إبشتاين على الملفات القضائية، بل امتد إلى مؤسسات سياسية وإعلامية، حيث تم تعيينه في أبريل الماضي رئيساً لمجلس إدارة شركة "ترامب للإعلام"، بينما يشغل دونالد ترامب الابن منصب المدير التنفيذي للشركة.
كما تشير مصادر داخل الإدارة إلى أنه يتمتع بنفوذ غير مباشر داخل وزارة العدل، مستفيداً من علاقته الوثيقة بالقائم بأعمال وزير العدل تود بلانش، الذي تولى المنصب خلفاً لبام بوندي.
ووفق مسؤول في البيت الأبيض، فإن إبشتاين يتواجد داخل المكتب البيضاوي مرة أسبوعياً تقريباً، إلى جانب اتصالات هاتفية مستمرة مع ترامب في فترات خارج الاجتماعات الرسمية.
انقسام داخل الدائرة المقربة بين دعم وانتقادات متزايدة
ورغم تصاعد نفوذه، يواجه إبشتاين انتقادات من داخل الدائرة السياسية المحيطة بترامب، حيث يرى بعض المستشارين أنه كان وراء الدفع بمبادرات مثيرة للجدل، من بينها صندوق "مكافحة توظيف مؤسسات الدولة كسلاح" الذي تم إلغاؤه لاحقاً.
ووصف أحد المستشارين تلك السياسات بأنها "أفكار سيئة للغاية"، رغم الإشارة إلى أن نفوذ إبشتاين لم يتراجع، بل ازداد قوة داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس.
نمط حياة مثير للجدل وثروة تثير التساؤلات في واشنطن
أثارت بعض التفاصيل المتعلقة بنمط حياة إبشتاين تساؤلات داخل أوساط واشنطن، بدءاً من بدلاته المصممة خصيصاً، مروراً بسيارته من طراز "بنتلي"، وصولاً إلى عقده اجتماعات في مطاعم الستيك الكلاسيكية في العاصمة الأميركية.
لكن مقربين منه يؤكدون أن ثروته تعود إلى نجاحات مالية سابقة قبل توليه أي منصب داخل دائرة ترامب، مشددين على أن أسلوب حياته لم يشهد تغييرات جوهرية خلال السنوات الماضية، وأن الكثير مما يُتداول حوله يستند إلى شائعات.
من حملة ماكين إلى قلب دائرة ترامب
دخل إبشتاين عالم السياسة من بوابة حملات انتخابية مبكرة، إذ عمل ضمن فريق حملة جون ماكين الرئاسية عام 2008، قبل أن يقترب تدريجياً من دونالد ترامب بعد ظهوره الإعلامي الداعم له.
وخلال انتخابات 2016، لعب دوراً ضمن الحملة الرئاسية لترامب، ثم واصل نشاطه خلال انتخابات 2020، بما في ذلك محاولات قلب نتائجها بعد خسارة الرئيس السابق.
ومع تصاعد الأزمات القضائية والسياسية خلال السنوات الأخيرة، تحول إبشتاين إلى أحد الأعمدة الأساسية في إدارة المعركة السياسية والقانونية لترامب، قبل أن يتوسع نفوذه ليشمل الإعلام والقرار السياسي في البيت الأبيض.
حضور يتعزز في أكثر مراحل إدارة ترامب حساسية
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد القضايا الجنائية ضد ترامب، برز إبشتاين كشخصية محورية في صياغة استراتيجية المواجهة، حيث دفع باتجاه عدم تقديم تنازلات قانونية، والذهاب إلى أقصى درجات التصعيد القضائي والسياسي.
وبحسب مستشارين مقربين، فإن الجمع بين الولاء السياسي والقدرة القانونية جعل منه واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في دائرة القرار الضيقة، في مرحلة يعتبرها كثيرون من أكثر المراحل حساسية في مسار الإدارة الأميركية.