بعد أسابيع من الحرب والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أعلنت باكستان التوصل إلى إطار اتفاق بين الجانبين، في خطوة وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها "اتفاق عظيم" من شأنه أن يحقق "السلام والأمن في المنطقة".
ورغم الترحيب الأولي بالتفاهم، فإن كثيراً من تفاصيله الأساسية لا تزال غير محسومة، بدءاً من آليات إعادة فتح مضيق هرمز ومستقبل الحصار البحري الأمريكي، وصولاً إلى مصير الملف النووي الإيراني. وبينما يبدو الاتفاق قادراً على خفض التوتر في الخليج وطمأنة الأسواق العالمية، تبرز جبهة لبنان وموقف إسرائيل من استمرار عملياتها ضد حزب الله باعتبارهما اختباراً مبكراً لقدرته على الصمود.
ويأتي الإعلان عن الاتفاق بعد سلسلة من المحاولات التي لم تنجح سابقاً في إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران.
مضيق هرمز والحصار البحري.. البوابة الاقتصادية للتفاهم
من أبرز البنود التي تم الإعلان عنها إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية. وقد اختصر ترامب أهمية هذه الخطوة بعبارة "ليتدفق النفط!" في إشارة إلى رغبته في استئناف تدفق الطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
إلا أن تنفيذ هذا البند قد لا يكون فورياً، إذ كان مضيق هرمز قد أُغلق فعلياً خلال الفترة الماضية عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، قبل أن تهدد طهران باستهداف السفن التي تعبر هذا الممر الحيوي، الذي تمر عبره عادة نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
ولهذا، قد يكون الإعلان السياسي عن إعادة فتح المضيق أسرع من عودة الملاحة إلى طبيعتها على أرض الواقع. فقد حذر خبراء في أسواق الطاقة من أن استئناف حركة النفط بصورة كاملة يحتاج إلى إزالة الألغام ومعالجة تراكم ناقلات النفط واستعادة مستويات الإنتاج والشحن المنتظمة.
ووفقاً للتقديرات، فإن العودة الكاملة إلى الأوضاع الطبيعية قد تستغرق عدة أسابيع، وقد تمتد إلى شهر أو 45 يوماً... وربما أكثر وفقاً لبعض السيناريوهات.
وفي ما يتعلق بالمضيق، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران ستتخذ إجراءات لضمان المرور الآمن بالتنسيق مع سلطنة عُمان ودول أخرى لفترة محددة وبما يتوافق مع التزامات الولايات المتحدة. كما أعلنت الخارجية الإيرانية أن الاتفاق يتضمن تعهداً أمريكياً بالتعويضات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، مشيرة إلى فرض رسوم على الخدمات البحرية في هرمز.
الأسواق والطاقة.. ارتياح سريع وسط ترقب التنفيذ
انعكس الإعلان عن الاتفاق بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، إذ انخفض خام برنت بنسبة 4.3 في المئة إلى 83.55 دولاراً للبرميل، فيما تراجع الخام الأمريكي بنسبة 4.9 في المئة إلى 80.74 دولاراً.
وجاء هذا التراجع بعدما وصل خام برنت خلال الحرب إلى نحو 120 دولاراً للبرميل، مقارنة مع نحو 70 دولاراً قبل اندلاع النزاع.
كما سجلت الأسواق الآسيوية مكاسب ملحوظة، مع ارتفاع مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 4.7 في المئة، وصعود مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية بأكثر من 5.2 في المئة.
وكانت آسيا من بين أكثر المناطق تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة اعتمادها الكبير على نفط وغاز الشرق الأوسط.
لكن هذا الارتياح يبقى مشروطاً، إذ إن غياب التفاصيل الكاملة بشأن الاتفاق قد يبقي الأسواق في حالة من الحذر والتقلب، ولا سيما إذا تأخر تنفيذ بنود هرمز أو ظهرت تطورات أمنية جديدة في الخليج أو لبنان.
الملف النووي.. العقدة الأكثر حساسية
من منظور واشنطن، يبقى منع إيران من امتلاك سلاح نووي الركيزة الأساسية لأي تفاهم مع طهران. وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في مقابلة مع فوكس نيوز، إن عدم امتلاك إيران لسلاح نووي "مضمَّن داخل هذا الاتفاق"، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على التحقق من التزام طهران.
غير أن أسئلة جوهرية لا تزال من دون إجابات واضحة، من بينها طبيعة القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، ومصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وآليات التحقق والرقابة التي ستُعتمد لضمان تنفيذ الالتزامات.
ولم تُحسم هذه القضايا بصورة علنية حتى الآن، ومن المتوقع أن تكون محوراً لمفاوضات لاحقة ومحادثات تقنية خلال فترة تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 60 يوماً.
ويزيد الموقف الإيراني من تعقيد المشهد، إذ أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن "المفاوضات النهائية ستُؤجَّل إلى ما بعد تنفيذ الطرف الآخر التزاماته بموجب مذكرة التفاهم".
ويعني ذلك أن طهران قد تربط أي ترتيبات نووية مستقبلية بتنفيذ واشنطن التزاماتها أولاً، خصوصاً ما يتعلق برفع الضغوط الاقتصادية والحصار البحري.
وفي مؤشر آخر على هشاشة الثقة بين الجانبين، قال بقائي إن إيران لا تزال تعاني من "انعدام ثقة عميق" تجاه الولايات المتحدة، معتبراً أن الإطار المعلن ليس سوى "خطوة نحو خفض التوتر وإنهاء الحرب"، ومشدداً على أن أي إخلال أمريكي بالالتزامات سيقابله رد إيراني مماثل.
لبنان.. الجبهة التي قد تختبر الاتفاق مبكراً
تبدو الساحة اللبنانية واحدة من أكثر حلقات الاتفاق هشاشة.
ورغم تقديم التفاهم على أنه خطوة إقليمية واسعة، فإن انعكاساته على لبنان لا تزال غير واضحة. وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد قال إن الاتفاق يدعو إلى "الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان".
وفي بيروت، رحب رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف السياسي الأبرز لحزب الله، بمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، مشيداً بجهود باكستان وقطر والسعودية ومصر في الوصول إلى هذا التفاهم.
وقال بري إن المذكرة تتضمن بنداً وصفه بـ"الأساسي والملزم"، يقضي بوقف "العدوان الإسرائيلي على لبنان"، بما يحفظ سيادة البلاد واستقلال قرارها الوطني.
كما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول في حزب الله قوله إن إيران أرجأت توقيع الاتفاق لمراقبة مدى التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان، مضيفاً أن موقف الحزب من التهدئة يرتبط بمدى التزام إسرائيل بها.
وقال المسؤول إن حزب الله يرفض أي "حرية حركة" إسرائيلية في لبنان، مؤكداً أن الحزب لم ينفذ أي عمليات منذ الإعلان عن الاتفاق.
إلا أن تطبيق هذا البند قد يواجه تحديات كبيرة، في ظل عدم إظهار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي استعداد واضح لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية ضد حزب الله.
وفي بيان لاحق، رحب حزب الله بالتفاهم الإيراني الأمريكي، معتبراً أنه أدى إلى "وقف شامل لإطلاق النار على كل الجبهات ومن ضمنها لبنان"، مشيداً بإصرار طهران على إدراج لبنان في أي تفاهم يؤدي إلى وقف الحرب.
كما دعا الحزب اللبنانيين إلى الاستفادة من "المظلة الإقليمية والدولية" التي وفرها الاتفاق، وإلى التريث في العودة إلى بلداتهم تحسباً لأي خروقات إسرائيلية محتملة.
وأكد الحزب أن ما تحقق يشكل، وفق بيانه، "مقدمة لاستكمال مسار التحرير الكامل"، مجدداً تمسكه بما وصفه بحق لبنان في الدفاع عن أرضه وسيادته.
وكانت ضربات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الأسبوع الماضي، رداً على صواريخ أطلقها حزب الله باتجاه شمال إسرائيل، قد كادت تعرقل مسار التفاوض بأكمله، فيما تراجعت إيران في اللحظة الأخيرة عن تنفيذ هجوم صاروخي جديد ضد إسرائيل من أجل إنجاح الاتفاق.
وفي مؤشر على استمرار المخاوف الميدانية، دعت قيادة الجيش اللبناني الأهالي إلى التريث في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية حفاظاً على سلامتهم.
إسرائيل.. العامل الحاسم خارج طاولة التفاوض
ورغم أن الاتفاق أُعلن باعتباره تفاهماً بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية، فإن الحرب كانت عملياً حرباً بثلاثة أطراف، إذ لعبت إسرائيل دوراً رئيسياً في الضربات على إيران وفي المواجهة المستمرة في لبنان.
وأبلغ ترامب صحيفة وول ستريت جورنال بأنه كان غاضباً من نتنياهو بسبب أوامره بتنفيذ ضربات على لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع، معتبراً أن هذه العمليات كادت تنسف الاتفاق قبل اكتماله.
ورغم صمود التفاهم وإعلانه رسمياً، فإن إسرائيل تبقى عاملاً حاسماً في مستقبله.
فأي تصعيد إسرائيلي جديد في لبنان قد لا يبقى محصوراً بالساحة اللبنانية، بل قد يدفع إيران إلى إعادة تقييم التزاماتها، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز والتهدئة الإقليمية الأوسع.
ويعزز الموقف الإسرائيلي الشكوك بشأن إمكانية فرض تهدئة شاملة في لبنان. فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل تعارض الانسحاب من "المناطق الأمنية" في لبنان وسوريا وغزة من دون سقف زمني، معتبراً أن استمرار وجودها ضروري لحماية الحدود والتجمعات السكانية الإسرائيلية.
كما ربط كاتس جبهة لبنان بإيران مباشرة، محذراً من أن أي هجوم إيراني على خلفية التطورات هناك سيُقابل برد إسرائيلي "بكل قوة".
الخليج.. ارتياح حذر بانتظار اختبار التنفيذ
بالنسبة لدول الخليج العربية، يوفر الاتفاق قدراً من الارتياح، ولو بصورة مؤقتة، لأنه قد يضع حداً لمخاطر استهدافها بالصواريخ الإيرانية.
وخلال الحرب، أثار هذا التهديد تساؤلات أوسع حول النموذج الاقتصادي في دول مثل الإمارات وقطر والسعودية، التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستقرار والاستثمار والطيران والطاقة والخدمات المالية.
لكن هذا الارتياح يبقى مرهوناً بقدرة الاتفاق على الصمود، إذ إن استمرار الغموض أو تعثر التنفيذ أو تجدد التصعيد في لبنان قد يعيد المخاوف الأمنية والاقتصادية إلى الواجهة.
ترامب والاتفاق مع إيران.. قراءة في المكاسب وحدود التأثير
على الصعيد الداخلي، يقدم ترامب الاتفاق بوصفه إنجازاً سياسياً واقتصادياً، خصوصاً في ظل الضغوط التي خلفتها الحرب وارتفاع أسعار الطاقة. وقد قال نائب الرئيس الأمريكي إن رسالته الأساسية للأمريكيين هي "شكراً"، متعهداً بأن أسعار الطاقة ستبدأ بالانخفاض.
إلا أن أثر ذلك على المستهلك الأمريكي قد لا يكون فورياً، إذ إن عودة تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية تحتاج إلى وقت، كما أن تراجع الأسعار العالمية قد لا ينعكس سريعاً على تكاليف المعيشة.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه ترامب وحزبه ضغوطاً سياسية متزايدة، إذ أظهر استطلاع أجرته "يوغوف" أن 63 في المئة من الأمريكيين لا يوافقون على طريقة تعامله مع الاقتصاد، فيما قال 57 في المئة إن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً.
وبذلك، قد يمنح الاتفاق ترامب مساحة سياسية مؤقتة، لكنه لا يلغي المخاطر، سواء داخل الولايات المتحدة أو في الشرق الأوسط.
تهدئة تخفف القلق ولا تنهي الأسئلة
حتى الآن، يتضمن الاتفاق إطاراً لوقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، إلى جانب تمديد المباحثات التقنية بشأن الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الملف النووي، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، إلى جانب تمديد المباحثات التقنية بشأن الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الملف النووي.
كما أن التوقيع الرسمي على الاتفاق مقرر في سويسرا يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران.
لكن الأسئلة الأهم لا تزال مفتوحة: كيف ستُنفذ البنود المتفق عليها؟ ما الضمانات المتوافرة؟ كيف ستتعامل إسرائيل مع التهدئة في لبنان؟ وما الذي ستعتبره إيران تنفيذاً كافياً للالتزامات الأمريكية؟
وبين هذه التساؤلات، يبدو الاتفاق خطوة مهمة لخفض التوتر وتخفيف القلق، لكنه لا يزال بعيداً عن أن يكون تسوية نهائية ومكتملة.