في وقت يحظى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمهلة تمتد ستين يوماً لإجراء مفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي ولإسكات منتقدي استراتيجيته، يرى خبراء أن الرئيس الأميركي لم يعد في موقع قوة كما كان قبل الحرب، في ظل تعقيدات تفاوضية متزايدة وغموض يحيط بمسار المباحثات المرتقبة.
غموض يلف انطلاق المفاوضات
خيّم الغموض على إمكانية بدء المفاوضات الهادفة إلى التوصل إلى تسوية نهائية، بعدما أعلنت وزارة الخارجية السويسرية إرجاء المحادثات التي كان من المقرر عقدها بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان، من دون تحديد موعد جديد لها.
وجاء ذلك بعدما أنهى الاتفاق الإطاري الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط.
كما سادت في البداية حالة من البلبلة بشأن توقيع مذكرة التفاهم، إذ جرى توقيعها في نهاية المطاف على مرحلتين؛ الأولى إلكترونياً يوم الأحد، والثانية خطياً عن بُعد يوم الأربعاء، فيما كان ترامب موجوداً في قصر فرساي بفرنسا.
وكان من المقرر في الأساس توقيع المذكرة يوم الجمعة في سويسرا، إلا أن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، الذي كان يُفترض أن يطلق من هناك المفاوضات النووية مع إيران، أعلن مساء الخميس إرجاء موعد توجهه إلى سويسرا.
اتفاق إطاري وملف نووي مؤجل
تشكل المباحثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر تعقيداً بين البلدين المتعاديين منذ عقود، كما تبدو المفاوضات في هذا الملف شديدة الحساسية وتتسم بطابع تقني معقد.
وقال فانس في مؤتمر صحافي: "سنبدأ مهلة الأيام الستين، ونطلق العد التنازلي اليوم".
ونصت مذكرة التفاهم مع طهران على إنهاء الحرب، لكنها تركت للمفاوضات المقبلة مهمة التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تفكيك البرنامج النووي الإيراني.
كما تضمنت المذكرة إمكان تمديد مهلة الستين يوماً إذا اقتضت الحاجة واتفق الطرفان على ذلك، فيما أوحى الرئيس الأميركي بأنه غير مستعجل للوصول إلى اتفاق.
هل تكفي مهلة الستين يوماً؟
منذ وقف إطلاق النار المشوب بخروق عدة بين الولايات المتحدة وإيران في 8 نيسان، استغرقت المفاوضات أكثر من شهرين ونصف الشهر للتوصل إلى مذكرة التفاهم التي تتيح إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى احتمال رفع العقوبات عن إيران.
وفي هذا السياق، قالت نائبة وزير الخارجية الأميركي السابقة وندي شيرمان، التي كانت إحدى أبرز المفاوضين على الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 بعد محادثات استمرت 18 شهراً: "أستطيع أن أؤكد لكم أن الأطراف لن يكون لديها الوقت لتسوية كل شيء خلال ستين يوماً".
خبراء: الحرب لم تحلّ الخلافات الجوهرية
سعى الرئيس الأميركي وإدارته إلى الدفاع عن حسنات مذكرة التفاهم، إذ اتهم ترامب منتقديه بأنهم "غيارى أو أشخاص سيئون أو حمقى"، فيما اعتبر فانس أن الاتفاق يمثل مكسباً في جميع الأحوال.
غير أن خبراء رأوا أن الحرب لم تحلّ أياً من القضايا الجوهرية بين الطرفين، معتبرين أن طهران خرجت من الحرب في موقع أقوى، رغم كثافة الضربات التي تعرضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويستند هذا التقييم إلى أن إيران كانت موجودة بالفعل على طاولة المفاوضات بصورة غير مباشرة قبل الضربات الأميركية والإسرائيلية، في حين باتت اليوم شبه متحكمة بمضيق هرمز.
التزامات نووية أقل من اتفاق 2015
أكدت إيران مجدداً في مذكرة التفاهم أنها "لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية"، وهي صياغة اعتُبرت أقل تشدداً من اتفاق عام 2015 الذي نص على ألا تقوم طهران بذلك في أي ظرف.
كما أشارت المذكرة إلى أن "تسوية مسألة التخلص من المواد المخصبة المخزنة" ستتم عبر آلية يجري الاتفاق عليها بين الطرفين، على أن يكون الحد الأدنى لهذه الآلية تخفيف درجة تخصيب اليورانيوم في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتعتبر واشنطن أن البرنامج النووي الإيراني "دُمّر بالكامل" في قصف حزيران 2025، وأن المطلوب حالياً هو ضمان عدم امتلاك طهران القدرة على إعادة إطلاقه.
الملفات الغائبة عن مذكرة التفاهم
لا تتضمن المذكرة أي إشارة إلى البرنامج الصاروخي الإيراني، ولا إلى دعم طهران لعدد من التنظيمات المسلحة الحليفة لها في المنطقة.
ويتوقع خبراء ألا تقدم إيران أي تنازلات في هذين الملفين.
وكتب الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس: "لا شك في أن إيران ستواصل نشاطها في هذا المجال، لا سيما أن هذه الحرب وفرت للنظام وسيلة ضغط. ستكون عمليات التفتيش بالغة الأهمية وفي الوقت نفسه صعبة التنفيذ".
كما استبعد آلن إري، من معهد الشرق الأوسط وأحد المشاركين في مفاوضات 2015، أن يفرض أي اتفاق مستقبلي على البرنامج الإيراني "القيود والضوابط اللازمة لإغلاق كل المسارات المؤدية إلى السلاح النووي".
ورأى أن واشنطن، بمهاجمتها إيران، تكون قد استنفدت سلفاً إحدى أهم أوراقها التفاوضية، وهي التهديد بالتدخل العسكري، مضيفاً: "لقد استخدمنا هذا الخيار، وهم ما زالوا صامدين. فبماذا سنهددهم إذن؟".
وفي المقابل، اعتبر أن إيران "حققت هدفها في هذه الحرب، وهو البقاء".
إيران: التفاوض لا يعني الإذعان
أعلن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي موافقته على مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران لإنهاء الحرب، رغم إشارته إلى وجود تحفظات بشأنها.
وقال خامنئي في أول رد فعل له على توقيع المذكرة: "بطبيعة الحال، كان لي رأي آخر، غير أنني أصدرت الإذن بذلك"، مؤكداً في رسالة مكتوبة أن "المفاوضات المباشرة التي ستنعقد في المستقبل لن تعني بحال من الأحوال الإذعان لرأي العدو".
أما الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان فوصف مذكرة التفاهم بأنها "تاريخية"، معتبراً أن "رسالة إيران القوية" هي أن "السلام سيتحقق في ظل الاحترام المتبادل"، في حين رأى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أنها تمثل "هزيمة للولايات المتحدة".
تسوية مؤجلة وملفات عالقة
تعكس التطورات الحالية أن مذكرة التفاهم نجحت في وقف الحرب وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد، لكنها في الوقت نفسه تركت أعقد الملفات معلقة، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني. وبين مهلة زمنية ضيقة، وملفات خلافية مؤجلة، وخبراء يشككون في قدرة واشنطن على فرض شروطها، تبدو مفاوضات الأيام الستين اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على الانتقال من اتفاق إطاري إلى تسوية نهائية ومستدامة.